كانت قذيفة الـ( ر.ب.ج 7)، هي إشارة بدء الهجوم الشامل على المنطقة وعلى قواتنا التي عَبَرَتْ الى (كَلي قُمريْ). الرفيق عدنان (ابو القح) والرفيق عايد اللذان صرحا بأن المكان آمن، أسرعا لجلب سلاحهما المركون عند الصخرة القريبة من بيدر الأعشاب. رفاق المفرزة الاخرون (مجموعة الدوشكا، وعدد من رفاق السرية الثالثة ورفاق السرية الاولى) الذين التقيناهم اثناء عبورنا (القسيسة)، توجهوا نحو عين الماء صعوداً حالمين بوقت قصير للراحة، إلاّ ان ذلك لم يتحقق، فالجيش والجحوش بدوأُ الهجوم بوابل من قذائف الـ(. ر. ب.ج7) ورشاشات الـ(بي كي سي). نداءات تَدْعوّا الرفاق للاسراع بإحتلال القمم والتلال المحيطة بـ(گلي قُمْريْ)، لمنع الجحوش من الوصول اليها، وتأمين طريق انسحاب مفرزتنا وجمع من الأهالي. مجموعتنا القريبة من البيدر انقسمت الى: (مجموعة الدوشكا، وعدد من رفاق السريتين الثالثة والاولى ومعهم م. هشام، بالاضافة الى عدنان وعايد اللذان انضما اليهم، وتحركوا لاحتلال التلال والقمم وتأمين خطوط انسحابنا). ابو عصام وانا وآفاق التحقنا بالرفاق ابو انيس وابوعادل وأبو هدى وانوار المتمترسين خلف صخرةٍ تبعد بمسافة قصيرة عن عين الماء. اتفق على ان نقوم ابو هدى وأبو عصام وأنوار وآفاق وأنا بمرافقة ابو عادل السياسي وتأمين انسحابه الى مكانٍ آمن، وان يلتحق الرفيق ابو انيس بالرفاق الآخرين للدفاع وتأمين خط الانسحاب. تبادل إطلاق النار متواصل بين رفاقنا والجحوش، والطرفان يتسابقان لاحتلال التلال المحيطة بگلي قُمريْ. اختلطت نداءات الرفاق الداعية للصعود نحو التلال والقمم مع أزيز الرصاص القادم من اتجاهات مختلفة: ((رفاق اخذوا هاي التلة بسرعة... اضرب، اضرب، لك سكته الهذا... ذاك، وره ذيج الصخرة.....)).

وسط الصراخ وأصوات الانفجارات وإطلاق النار، تحرك بعض الرفاق بسرعة للصعود، والرد بشجاعة على مصادر النيران، مما فسح لمجموعتنا إمكانية الحركة باتجاه صخرةٍ كبيرة محاطة ببعض الأشجار، وتبعد قليلاً عن عين الماء بحثاً عن مكان نحتمي به ومتسعاً من الوقت لأخذْ الانفاس بعد الركض السريع صعوداً. مسؤولنا الاول مُشَتَتْ الأفكار مُربَكْ، يَرْقَبْ مايجري، غير مُصَدقْ عينيه بما يدور حوله، متسائلا: "الا يوجد مكان أفضل من هذا المكان نختبئ فيه؟"، متناسياً ان هذه المعركة حقيقة وهي ليست صولةٍ يقوم بها الجيش ويعود ادراجه. صليات الرصاص تصطدم بالصخرة التي نحتمي بها وترتد، بعضها يصيب أوراق الأشجار فتتساقط فوق رؤوسنا. لابد من مغادرة المكان بسرعة، فنحن نقع ضمن مديات الرماية، ومسيرنا سيكون الى الأعلى في منطقة مكشوفة تتطلب جهدا مضاعفاً وسرعة، لإيجاد موقع أفضل للاحتماء به، والدفاع في حالة الاشتباك. بدأنا الصعود الحاد بخطىً حثيثة، بعيداً عن الطريق المعتادة، يتوسطنا الرفيق المسؤول الاول، تلاحقنا رشقات الرصاص، فامتزج التعب والإرهاق بالخوف والقلق. حالة الاحباط والانكسار التي انتابت أحد الرفاق المنسحبين الذين التقيناهم في صعودنا هذا، دعته الى رميّ بندقيته أرضاً معلناً تخَلَيّه عنها مردداً،" هاي هم ماأريدها"، مزمجراً بعبارات تنم عن غضب واستياء مما جرى امام ناظريّ المسؤول الاول، حالة هذا الرفيق دعتنا (انوار، ابو هدى ،آفاق، وأنا) ان نتناوب على حمل سلاحه رغم التعب والرصاص والقصف المدفعي الكثيف.

الرفاق الآخرون من المجموعة المنسحبة، واصلوا سباقهم للسيطرة على التلال والقمم الجبلية المحيطة بالگلي، واستطاعوا احتلال عدد من التلال الاستراتيجية، وتمكنت من صد هجمات الجحوش المتكررة والرد عليهم ببسالة وقوة، وأعْطَتْ الفرصة للجموع المنسحبة بان تواصل مسيرها نحو السلسلة الجبلية الواقعة الى الشمال من قرية هرور باتجاه الحدود العراقية التركية.

مجموعتنا واصلت صعودها العشوائي واحداً بعد الآخر للاحتماء من الرصاص وقذائف المدفعية. استمر هذا الحال عدة ساعاتٍ، حتى وصلنا مكان صخري يقع الى شمال قرية قُمري. في هذا المكان أحسسنا ببعض الآمان بعد ساعات من القلق والخوف. اخذنا قسطا من الراحة تحت ظلال الأشجار والصخور الكبيرة، وعيوننا ترقب الطريق الذي سلكناها على امل ان يأتي الرفاق الآخرون. أصوات قصف مدفعي وإطلاق نار مستمر في الوادي، طائرات هليوكوبتر(الأباتشي) تجوب اجواء القرى الممتدة من  قرية كاني بلاف حتى مقرنا في گلي هسْپَه ذهابا وإياباً. تبتعد طائرة لتختفي خلف سلسلة جبل متين، وتظهر اخرى لتجوب اجواء المكان مجدداً. الْيَوْمَ بدأت عمليات الانفال، قوات النظام وجحوشهم في حالة تأهب للبدء بارتكاب جرائمهم. نحن من مكاننا هذا نراقب ونترقب الجديد والطارئ في الوضع ولا ندري كيف تسير مجريات المعركة في الوادي الذي تركناه. بعد الاستراحة واصلنا المسير نحو مكان اللقاء المتفق عليه (مع بقية الرفاق) تحت شمس ظهيرة شهر آب. نسير بحذر، تفصلنا عن بعضِنا مسافات، متأهبين لاي طارئِ، وجٌلَّ ماكنا نفكر به اثناء المسير هو ايجاد صخرةً أو شجرةًً للاختفاءِ تحتها من طيران الأباتشي. فترات قصيرة من الاستراحة تخللت مسيرتنا التي استمرت عدة ِساعاتٍ ولم نصل الى المكانِ المٌبْتَغى. آثار التعب والارهاقِ والعطش يعلوا وجوهنا، وقدرتنا على المشي آخذت تتضائل. احساس بإن هذا اليوم مَرَّ بِسلام مع اقتراب حلول المساء، حيث ان نشاط عدونا في القصفِ والطيران ِخَفَتْ. مجموعة الرفاق الذين انسحبوا قبلنا من گلي قٌمريْ، قطعوا شوطاً طويلاً من مسيرتهم نحو الحدود، وتمتعوا بقسط من الراحة والنوم بعد مسيرة ليلة مٌضْنية، مختفين بين الصخور وتحت الأشجار، بإنتظار حلول المساء لتكملة مشوارهم نحو الحدود. توقفنا للاستراحة لبعض الوقت والتأكد من اتجاه حركتنا. التحق بنا تباعاً الرفاق الذين افترقنا عنهم صباح هذااليوم، مجموعة بعد اخرى، بعد ان امضوا يوما حافلا بالمخاطر والصعوبات. المفرح ان جميع الرفاق عادوا سالمين بعد معركة گلي قٌمريْ، وكعادة الانصار بعد عودتهم من المعارك، يبدأ الجميع باستذكار مجريات المعركة وتفاصيل ماحدث من طرائف و(نصبات) ليحولوا تراجيديا المعارك هذه الى مواقف كوميدية تدعو للضحك وتخفف من عمق المعاناة والمآسي المرافقة للأحداث. التقينا ابوأنيس وعدد من الرفاق الذين ساهموا في معركة الگلي وتبادلنا أطراف الحديث عن مجريات ماحدث، بعدها واصلنا المسير الى حيث يتجه جميع المنسحبين  من بيشمركة وعدد قليل من الأهالي.

لا مقرَ نلتجأ اليه، ولا ندري كيف سيكون الوضع الأمني لهذه الليلة، هل سنحظى بنوم هادئ، أم اننا سنقضي ليلتنا كسابقتها!؟، أسئلة تدور في ذهن كل رفيق منا، ولا احد يعرف الاجابة، لذلك رفعنا شعار (خليها وين ماتصير خلي تصير)، شعار كنّا نردده في الأوقات العصيبة. انتشر الظلام، والى الان لم نصل الى حيث يجتمع الرفاق في المكان (المقر المزعوم). توقفنا لاستراحة قصيرة عند مفترق طريقين، الاول  يتجه نحو اليمين الى قرية آشوت التركية حيث يتطلب المسير اليها زهاء ٤-٥ ساعات في منطقة جرداء، والطريق الثاني يتجه نحو (گلي خانوكى). في الاستراحةِ افتقد الرفيق ابو أنيس حقيبته الظهرية (العليجة) وفيها جواز سفره وبعض حاجياته، فاسرع عائداً لمكان استراحتنا السابقة عله يجدها، فذهب على ان نلتقي لاحقاً. مسيرنا في ساعته الاخيرة في القمم الجبلية الفاصلة للحدود العراقية التركية، ونحن في طريقنا الى گلي خانوكي حيث مكان اللقاء مع الرفاق الذين سبقونا. بدأنا نزولنا نحو الوادي وسط ظلام الليل وتعب الجسد، واحلام بقدح شاي ورغيف خبز يعيدان بعض من القوة الى اجسادنا المتعبة. لم يمض وقتاً طويلاً حتى سمعنا صوتاً منادياً: - تو كيي (من أنت)؟

- احنه رفاقكم

كان المنادي الرفيق جلال  ومعه رفيق اخر، حيث كانا في نوبة حراسة. اقترب منا مرحباً، ومؤكدا ان الرفاق موجودون في الوادي على مسافة قريبة. لاحظنا ان الرفيق جلال يحمل مسدسين في حزامه، وواقية أسلحة كيميائية!، وبعد مناقشة (دهِره) قصيرة، عرفنا ان بيشمركة (حدك) رموا الكثير مما يحملون في الطريق قبل عبورهم الى الاراضي التركية، كما ان معظم عوائل رفاقنا وبعض الرفاق عبروا الحدود ايضا.

رافقنا الرفيق جلال الى مكان تجمع فيه عدد من الرفاق، واقترح علينا بان نقضي ليلتنا فيه، لان النزول الى أسفل الوادي مزعجاً ولا يوجد مكاناً للنوم. انشغل كل منا في البحث عن مكان لنومه، ولحسن الحظ ان القرويين قبلنا هيأوا بعض من هذه الأماكن لنومهم: (تسوية الأرض، واحاطتها بعدد من الصخور لتكون مصداً للريح)، عثرنا على مكان قريب من مكان نوم الرفاق الآخرين، خلدت آفاق للنوم بعد ليلةٍ ونهار حافلين بالرعب، لكن البرد جعلها تتكور حول نفسها، فبادر الرفيق جلال بحمل (جِلألْ البغَلْ) ووضعه عليها. فصاحت مستنكرةً: "شنو هذا ريحته تقتل"، فقال لها: "تغطي بهذا اليوم، باچر راح تتحسفين عليه"!.

النصير الشيوعي العدد 42 السنة الرابعة كانون الناني 2026