أمضيت ثلاث سنوات من شبابي في حركة الانصارالشيوعيين العراقيين (الفوج الاول)  كطبيب.  كانت تجربة غنية جدا ومتميزة. إن تعيش مع شبيبة (مطعمة ببعض من تجاوزوا سن الشباب) مليئة بالحماس والعنفوان والايمان بوطن حر وشعب سعيد، فهي بالنسبة لي البودقة التي ساهمت بتشكيلي كإنسان وكشيوعي.

كانت الطبابة تفتقد لأشياء كثيرة، مثل الادوية، ووسائل التشخيص، والخبرة المهنية كذلك. من الأطباء الذين عرفتهم وعملت معهم: الدكتور جهاد المتخرج حديثا، وهو من الأوائل على دورته، والدكتور واثق. وصلت إلى كردستان بعد شهرين من التخرج. كان لعملي في مستشفيات المقاومة الفلسطينية في بيروت لبضعة اشهر قبل التخرج، دورا مهما في عملي كطبيب في حركة الأنصار، حيث لا مراجع نظرية (كتب، دوريات..الخ)، ولا مراجع عملية (أطباء أكثر  خبرة نستطيع استشارتهم). لذلك لن اتمكن من الحديث عن عمليات جراحية أو علاجات معقدة للرفاق.

في هذا السياق، يحضرني العلاج والتعامل مع ضحايا السلاح الكيمياوي، كإحدى التحديات الجدية التي لم يكن أحدا متهيئا له، خاصة كطبيب، لم نكن نملك الوسائل العملية ولا النظرية لعلاج الرفاق ضحايا السلاح الكيمياوي.

كما هو معروف للجميع، فقد تم قصف مقر قاطع (بادينان) بالسلاح الكيمياوي (غاز الخردل) في 5 حزيران  1987، وأدت الضربة إلى إصابة العديد من الرفاق بهذا الغاز. وقد استشهد الرفيقان (أبو فؤاد) و (وابو رزكار) لاصابتهما المباشرة بالقصف.

مع الأسف لا املك إحصائية دقيقة بعدد الرفاق المصابين، لكنهم كانوا بالعشرات، وتوزعت الإصابات على ثلاثة اعراض رئيسية:

1_ إصابة العيون بالالتهاب وحروق شديدة، مما ينتج عنه عمى كاملا أو جزئيا

2 _ إصابة الجسم بحروق شديدة وخاصة في أماكن تعرق الجسم

3 _ حروق داخلية في الجهاز التنفسي والهضمي

العديد من الرفاق كانت إصابتهم متعددة أي العيون والحروق وضيق التنفس. لم ينتبه الرفاق في البداية الى ان القصف تم بالسلاح الكيمياوي، لكن العديد من الرفاق يتذكرون ظهور الاعراض تدريجيا خلال الليلة نفسها، وادركوا أن السلاح الكيمياوي هو سبب ظهور هذه الأعراض.

وصلت إلى مقر القاطع بعد أيام قليلة من الضربة، ولاتزال في ذاكرتي صورة الأشجار الميتة على طول الطريق إلى المقر، بتأثير الخردل، ورائحة التفاح النفاذة لا تبارح ذاكرتي.

بدأ الرفاق باستخدام علاجات بسيطة، مثل الغسيل بالماء الجاري، والتنفس ببخار الماء..الخ، وذلك بمساعدة أحد أطباء (أوك) المتواجد قريبا من المقر. ولابد من ذكر دور( د.ابو تضامن) ببدء العلاجات.

لم نكن نمتلك أي أدوية كافية، ناهيك عن الخبرة بالتعامل مع الخردل. قمت بتقنين كمية الدواء المتوفرة، من خلال تخفيفه بالماء المغلي، واستخدامه كقطرات لتحسين ألاعراض. كما قمت بغسل حروق الرفاق، واستعمال المراهم المتوفرة لتسكين آلام الحروق.

مع مرور الأيام، بدأت الأعراض (فقدان البصر، تهيج الجهاز التنفسي والهضمي) بالانحسار والتراجع. وعلى الرغم من بشاعة الهجمة، والإصابات المختلفة للرفاق، وقلة وسائل المواجهة والعلاج، إلا أن معنويات الرفاق كانت حافزا مهما في تجاوز الأزمة، حيث تولى الرفاق الأصحاء كل المهام القتالية والإدارية بهمة عالية وعزيمة قوية، وكانت النكات والسخرية من الأعراض أحد وسائل العلاج بين الرفاق.

تدريجيا بدأت الأعراض بالاختفاء، لكن بعض الحالات توجب نقلها الى أماكن أخرى لاستكمال العلاج. لم يستسلم الرفاق لليأس او الندم، بل أبدوا أعلى درجات الإيثار والتضامن، فقد كانوا على علم بقلة إمكانياتنا العلمية والعملية، واستطعنا سوية اجتياز الأزمة. كانت الهجمة بالأسلحة الكيمياوية على مقراتنا واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام بحق مناضلينا.

النصير الشيوعي العدد 42 السنة الرابعة كانون الناني 2026