في الشهر الخامس من عام 1979، وبعد ان اشتدت الهجمة على منظمات ورفاق الحزب الشيوعي العراقي، قررت وأحد رفاقي العاملين في جريدة (طريق الشعب)، حيث كنت اعمل، الذهاب الى كوردستان للحاق برفاق الجبل.

في ذلك الوقت، سمعنا بان حركة مسلحة بدأت في الجبال، تابعة للاحزاب الكوردية، من بينها الاتحاد الوطني الكوردستاني، كما دار حديث اخر بان حزبنا الشيوعي يحاول ان يجمع نواتات لمثل هذه الحركة، لكن ليس لدينا معلومات واضحة، ولا احد يؤكد ذلك.

اتفقت ورفيقي ان نشرع بالعمل من اجل الوصول الى هناك، ولأنه من سكان «طوز خورماتو»، سافرنا الى بيتهم، ومنه بدأ بالبحث عن السبيل الكفيلة بتحقيق وجهتنا. ساعدنا في ذلك والده، الذي كان كادرا من كوادر الحزب الشيوعي العراقي في المنطقة، ولديه صلات وعلاقات فيها.

نجحت مساعينا بالاتفاق مع احد الأدلاء، وبعد يومين قررنا التحرك. اخاطوا لي زيا كورديا، وخرجنا مع الدليل. رفيقي عز الدين (استشهد لاحقا) وشقيقه محيي الدين (ابو فيان، استشهد ايضا)، وأنا. تركنا «طوز خورماتو»، وسلكنا طريقا يمتد على سفوح الجبال باتجاه السليمانية. استمرت مسيرتنا بضعة ايام، حتى وصلنا الى قاعدة (قره داغ).

كان الدليل طوال الطريق، يبحث ويسأل عن الاوضاع، حتى توفرت لديه معلومة تفيد، ان هناك مجموعة من اعضاء الحزب الشيوعي العراقي، تتنقل في الجبال، لتأسيس مقرات لهم، وتشكيل نواتات للحركة، مع ايجاد ملاذ آمن للرفاق الذين يرغبون بالخروج من المدن تجنبا للوقوع بقبضة اجهزة الامن المجرمة. هذه المعلومة تاكدنا منها من خلال احد الرفاق في قرداغ، كنا معه نتنقل بين قرى المنطقة، ونغير اماكننا باستمرار، للتمويه على استخبارات النظام وجحوشه الذين كانوا يرصدون ويلاحقون الشيوعيين. هذا الرفيق اسمه فتاح، ويحمل بندقية من نوع «برنو». قال لنا في احد الايام، أنه يستطيع ايصالنا، من دون ان يفصح الى اين؟!.

غادرنا (قره داغ)، ومشينا لعدة ايام حتى وصلنا الى الحدود. في الطريق، اعترضتنا بحيرة كبيرة لا اتذكر اسمها الان. استأجروا لنا زوارق كي نعبرها. كان ليلا دامسا، حين بلغنا الطرف الايراني. هناك قالوا لنا: "لقد تبقى لنا يومان، نقضيها مشيا على ما يسمى بالخط الاحمر الحدودي". سرنا باتجاه الشمال، الى قرية اسمها (باوة)، تقع على بعد امتار قليلة داخل الحدود الايرانية. تطل عليها قمة جبلية، تجمع فيها عدد كبير من رفاقنا، فاخبرونا حينها "باننا وصلنا"!.

فوق هذه القمة، تواجد الرفاق: ملا علي الذي اصبح فيما بعد قائدا انصاريا، ومام صالح، وتوفيق حاجي، ومن خلالهم، عرفنا انهم مكلفين بجمع الرفاق، ثم الاعلان عن شكل نضالي ما يتصدى لسلطة البعث.

قارب عددنا السبعين نصيرا، وسلاحنا اربعة بنادق فقط، لكن المكان آمن نوعا ما، كما ذكر الرفاق الذين قبلنا. بعد اسبوع فقط من تواجدنا، تعرضت المنطقة الى هجوم عسكري اجبرنا على تركها والتوجه الى اخر اسمه « بلبزان»، وهو بقايا من قرية عراقية مهجورة تقع على الشريط الحدودي، جوارها يقع كهف في الجبل، وهذا اصبح مكانا لتجمعنا...

في البداية، لم يتواجد رفاق عرب غيري، لكن فيما بعد، وخلال اسابيع قليلة، التحق بهذه القاعدة اربعة اخرين، وهم الرفاق: (ابو عادل، ابو هناء، ماجد الذي يطلقون عليه اسم (ملازم ليلو)، رشيد (فاضل)، وما عرفته منهم انهم التحقوا من خلال التنظيم الحزبي.

بعد فترة من وجودنا في قاعدة (بلبزان)، وصلت برقية تدعو الرفاق العرب مع مجموعة من الرفاق الاكراد الى التحرك باتجاه قاعدة «نوزنك» الانصارية. في هذه القاعدة يوجد بعض الرفاق القياديون، ودعوتنا من اجل توسيع القاعدة والاستفادة من الرفاق، بالاضافة الى تحرك قطع السلاح القليلة من مكان الى اخر، وهذه حكاية اخرى لمفرزة من عشرين نصيرا، تجولت لاسبوعين وليس بحوزتها غير قطعتي سلاح فقط.

هناك حكاية طريفة اود روايتها، "عندما كنا في (بلبزان) في نهاية عام 1979، جاءتنا اوامر بضرورة التحرك باتجاه (نوزنك). كنا عمليا، ((عرفت ذلك من خلال الخرائط التي كانت بحوزة الرفيق جوهر شاويس المستشار السياسي للقاعدة))، اسفل «قره داغ» وينبغي علينا الصعود باتجاه (بشدر) في مناطق السليمانية. رفاقنا الاكراد ايضا لم يعرفوا الطريق، لكنهم استعانوا برفاق ادلاء. تحركنا ومعنا قليل من الخبز وبغل، وعددنا اكثر من 15 نصيرا، اما سلاحنا فبندقيتي (برنو)، وكنا نسير اثناء الليل فقط،  بسبب انتشار الربايا العسكرية في الجبال.

استغرقت مسيرتنا زهاء 12 يوما. المفارقة، واثناء المسير، همس لنا احد الادلاء قائلا: "احذروا كمين"!. بسرعة البرق انتشر الرفاق في المكان، وكان بالقرب مني الرفيق (ابو عادل). اضعنا مجموعتنا، لم نعد نرى بعضنا. بعد ركضة سريعة، توقفنا ننتظر، لكن الامر استغرق خمس ساعات تقريبا، وقبل انبلاج الفجر، تمنكت المفرزة من التجمع مرة اخرى. لم يكن هناك كمين، والذي عرفناه، ان دليلنا الفلاح اخذه الخوف عندما رأى محولة كهرباء في طريقه، فتخيلها كمينا!.

عندما وصلنا الى قاعدة (نوزنك)، وجدنا من الرفاق القياديين: توما توماس، ابو آسوس، ابو سرباز، وكانت مقرات الاتحاد الوطني الكردستاني اكثر انتشارا في المنطقة بينما كنا باستضافتهم.

*من كتاب الجمر والرماد للنصير الفنان علي رفيق

النصير الشيوعي العدد 42 السنة الرابعة كانون الناني 2026