كان لنا مقر متقدم بالداخل قريبا الى ناحية خَلِفان، وبعيدا عن الشريط الحدودي المُهجّر والمدمر. تأسس في نيسان سنة 1981 في قرية ملكان، اكبر القرى الخمسة التي تقع في نهاية وادي ملكان. وكما هو معتاد، فأنّ الرحلة من بداية الوادي في جهة جبل (حرير)، الى مقرنا في جهة جبل (الكاروخ)،  تستغرق مشيا على الاقدام اربع ساعات ونصف الساعة تقريبا.

مدخل الوادي مضيق صخري وعر، يمتد بين جبلين، طوله حوالي كيلومتر او اكثر بقليل، وفي بدايته قرية تقع على الشارع العام المؤدي الى ناحية (خلفان) من جهة جبل (حرير)، وفي نهايته قرية اخرى اسمها (بلا)، هي اولى قرى وادي (ملكان) الواسع. في هذا المضيق استشهد الرفيق دلير (طه خضر حسين) في حزيران سنة 1980 اثر كمين نصبه الجحوش بمساعدة جواسيس من قرية قريبة ودفن في (بلا).

يقع مقرنا في النهاية الاخرى للوادي من جهة جبل (الكاروخ)، ويحتل بناية مدرسة ابتدائية مهجورة على اطراف القرية، هرب معلمها ولم يعد اليها اي معلم اخر بسبب الحرب مع ايران. كانت جدرانها مبنية من احجار كبيرة، ومواد اسمنتية، مرصوفة ومتراصة بشكل ممتاز على طراز بناء المدارس في المدن، عكس بيوت الفلاحين في ذلك الوادي المبنية من الحجر والطين والمسقوفة بجذوع الاشجار. وقد رسمت على غالبية جدرانها لوحات تمثل الحياة الفلاحية للقرية، وبعد خمسة اشهر، احتل المكان جماعة جلال الطالباني وناوشيروان، وقاموا بضرب لوحاتي بالرصاص وخربوها جميعاً.

يقع البناء وسط ساحة كبيرة فارغة من جهاتها الاربعة، من الجهة الامامية ساقية تنبع من جبل ويقع عليها حمام للنساء، ومن الجهة الخلفية نهر هادر ينبع من جبل (الكاروخ) يقسم القرية الى نصفين، ويستمر حتى مصبه في نهاية الوادي، وقد نمت على ضفتيه اشجار الجوز وبساتين الحمضيات.

جعلتنا العزلة النسبية لهذه المدرسة عن بيوت الفلاحين، ان نكون ضيوفا مرحبا بهم، وشعر قسم من الأهالي بالأمان بسبب وجودنا بينهم، حيث غالبا ما تتعرض القرية الى هجومات مباغتة من قبل الجيش والجحوش.

في نفس الوقت، كان هناك خوف عند بعض السكان، من ان يتم قصف الوادي والمقر تحديدا، وان يتم تهجير الناس من قراهم، انتقاماً منهم بسبب احتضانهم لنا، ولك ان تتخيل ارتباك الناس وهلعهم من التهجير والفرار من منازلهم وموطن ابائهم واجدادهم، وترك ما يملكون من تربة ومواشي ومصدر رزق، علما بان معظمهم لم يغادر القرية طوال حياته، خاصة النساء، حيث اغلبهن لم يشاهدن بحياتهن سيارة، انما شاهدن فقط الطائرات!، أما الحديث عن الكهرباء والتلفزيون وغير ذلك مما في المدينة، فانها تعيد الى اذهانهم الحرب والجيش والتهجير.

كانوا خائفين اذا ما اضطروا الى ترك محاصيلهم وحيواناتهم، وهو امر لم يتخيلوا القيام به، بعد ان خبروا مآسي ابناء جلدتهم من قرى الشريط الحدودي، فبعظهم قد لجأ اليهم من هناك، وروى مأساة اهله وعويل النساء والاطفال وصراخ الرجال والمسنين الذين تعرضوا للاغماء بسبب الخوف والرعب، وكيف تم وضعهم في شاحنات عسكرية حشروا فيها كالبهائم، ولم يعط لهم الطعام الا مرة واحدة باليوم، بينما القي بالشباب في السجون ومعتقلات التعذيب، وفلاحين ذو كبرياء وشهامة عاشوا دائماً بعرق جبينهم وبطريقتهم الخاصة وجدوا انفسهم فجأة مذلين مهانين يحكمهم الانضباط العسكري وجيش البعثيين الفاشي.

نحن في شهر آيار، وصل بعضنا قبل شهر ليؤسس هذا المقر، واخرين قبل اسبوع، وفي الأسابيع القليلة الماضية، بدا الأمر كما لو كنا بالفعل بالصيف، حيث السماء صافية وزرقاء بشكل كامل، والهواء جاف على الرغم من أن الأوراق على الأشجار بدأت للتو في الظهور. كان المزارعون مشغولين بتقليم الأشجار القديمة بجذوعها الزاحفة الضخمة بعناية، وتشذيبها من الأغصان الميتة، وتجريف وحراثة الأرض من تحتها، وتنظيفها لزرعها ببذور جديدة، ولإفساح المجال أمام مساحات ارض اخرى لتنبت طبقات رقيقة من العشب لتنمو كعلف للحيوانات.

كانت المهمة الأولى للفلاحات في الصباح، هي نقل الماء من أقرب نبع أو مجرى صغير، وهذا يعني في كثير من الأحيان ساعة عمل أو أكثر، لكن العمل الحقيقي كان بالحقول، اخذين معهم كل ما يحتاجون إليه، من أكياس فارغة وقدور وأكواب من الصفيح وأطباق وسكاكين وبعض الخرق التي يمكن أن تكون مفيدة بشتى الطرق، فيقوم كافة افراد العائلة بالعمل بتنظيف الارض حول اشجار الفاكهة، وتنقية شتلات النباتات الجديدة، وزراعة الخضراوات بأيدي عارية تماما، ويتم إحضار محصوله إلى المنازل مع غروب الشمس، حيث النساء يحملن على ظهورهن سلال مربوطة الى رؤوسهن، مليئة بالمؤن.

في شهر حزيران، صادف ان يكون حوالي ستة او سبعة منا الذين التحقنا في شهر أيلول الماضي الى الجبل. قلنا انتهت الان السنة الدراسية الأولى لنا، وانتهت الامتحانات ونحن بانتظار النتيجة، وقد اعجبتنا هذه المقارنة وكأننا تلاميذ في هذه المدرسة الابتدائية التي نسكن بها الان، وعلقنا على ما كان يقوله الشهيد ابو سحر وهو يرحب بوصول الرفاق الجدد فيقول: "هنا زمالتكم الحزبية والدراسية يا رفاق وليس بالخارج"!.

استمرت التعليقات الفكاهية، ونحن نقارن انفسنا قبل تسعة اشهر (بداية الزمالة) بما نحن عليه الان، بالقدرة على المشي مثلاً عندما لم نتمكن من السير ساعة واحدة بدون استراحة وشرب الماء، او عندما كانت اقدامنا تنحرف على الحافات الضيقة للدروب الجبلية ونتعثر بسبب احذيتنا المدنية، الى ان انتقلنا الى ارتداء احذية بلاستيكية تركية مرنة اسمها (سامسون)، ثم كيف تجاوزنا أخطار الطريق والعبور عبر الحدود، وأول مرة نرتدي الملابس الكردية، ثم أشار واحد منا الى آخر لتذكيره عندما عصى أوامر الدليل بالصعود الى قمة جبل قائلا له بعصبية:

"روح رفيق بعد ما اصعد متر واحد، شنو شعبالك آني طرزان؟"، وتعطلت مسيرة القافلة لأكثر من نصف ساعة بسبب طرزان هذا، الى ان اقتنع بالصعود ومواصلة المشي، اما الان فهو يتسلق الجبال بأسرع من البزن (العنز)، وكل هذه الثرثرة كانت تبعث السلوى في نفوسنا وتبعدنا عن الملل.

بعد انتهاء سنتنا (الدراسية الأولى)، لم تعد البنادق ثقيلة على اكتافنا كما في اول الطريق، ولا المسافات شاسعة، ولم نعد بحاجة الى الاستراحات المتكررة، وأصبحت ارتفاعات الجبال لا تقلقنا، وتقاس (بالوقت الشخصي)، فمنا من كان يحددها عندما يصل قمة الجبل الفلاني، او هذا بساعة، وآخر بساعة ونصف، وبدأنا نسمع اكثر واكثر اخباراً عن عمليات قواتنا في المناطق الأخرى، او هجومات الجيش والجحوش وقصف الطائرات وغارات الهليكوبتر، وايضاً اخبارا محزنة عن استشهاد رفاق لنا، وتلك من اقسى الاخبار.

كانت مناطق نشاطات سرية (ملكان) السياسية والعسكرية خاصة بسهل كويسنجق (ده شت كوي) مميزة، وقد تشكلت ثلاثة مفارز تتناوب العمل والتجوال كل شهر في تلك المنطقة حتى لا يكون هناك ضغط كبير على اهالي القرى في اطعامنا.

النصير الشيوعي العدد 43 السنة الرابعة شباط 2026