كعادتنا في إحياء المناسبات الوطنية والعالمية، كنا نستعد للاحتفال بالأول من أيار، عيد العمال العالمي، بما توفر لدينا من إمكانات متواضعة. كان ذلك تقليداً راسخاً لدينا، يوماً للتضامن الأممي.
لكن، من كان يتربص بنا كي يحرمنا من هذا الاحتفال؟
في الثامن عشر من نيسان عام 1983، تعرضت بعض مقراتنا القريبة من بشت آشان للقصف من قبل جحوش نظام صدام المقبور، ومن بينها فصيل بولي. كان الوقت ظهراً، وكنا قد انتهينا لتونا من تناول طعام الغداء، حين سقطت قنبلة بالقرب من موقع الخباز، الذي ظل منشغلاً بعمله مع رغيف الخبز غير آبه بالخطر.
منذ تلك اللحظة، بدأت مهامنا تتحدد بوضوح، وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية للحزب، بضرورة وضع الفصائل في حالة استعداد دائم، تحسباً لهجمات متوقعة كان النظام يهيئ لها بالتعاون مع الجحوش.
كان علينا مضاعفة الحراسات الليلية، والتأهب لكل طارئ.
بقينا نترقب الوضع وسط توتر متصاعد، خاصة بعد الاحتكاكات التي سبقت ذلك مع بعض الفصائل الكوردية. وفي مساء اليوم الذي سبق الأول من أيار، وُضعت قائمة الحراسات لفصيلنا، الذي كنت مكلفاً به. كانت مهمتنا التوجه الخامسة صباحاً، أنا ورفيقان، إلى ربيئة مطلة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى قلعة دزة، تحسباً لأي هجوم.
لم ننعم تلك الليلة بنوم كافٍ؛ فقد تكالب علينا التعب، وزاد من وطأته “البرغوث” اللعين، وكأنه متواطئ في سلبنا ما تبقى من راحة.
مع فجرمُعتم من الأول من آيار، توجهنا إلى الربيئة الدائرية. كنا ثلاثة: الرفيق ساري، طيب الذكر، الذي اتخذ الموقع الأمامي، وأنا ورفيق آخر في موضع خلفي. ومن شدة الإرهاق وقلة النوم التي لازمتني قرابة أسبوعين، كنت في حالة بين اليقظة والنوم، كما أشار رفيقي الى ذلك أيضاً.
فجأة، صرخ الرفيق ساري بالكوردية: “جيه زلام؟” (من هناك؟)، لتتبعها رشقة من الرصاص باتجاهنا. جاء ردنا سريعاً، بدأه ساري، ما أجبر المعتدين، من جماعة ناوشيروان، على الانسحاب. اضطررنا نحن أيضاً للتراجع نحو المقر.
أصيب ساري بخدش رصاصة على جبهته، وروى أنه سمع تدحرج الحجارة أثناء زحف المهاجمين نحونا، وكان انتباهه كافياً لينقذنا من موت محقق. وعلى الجهة الأخرى، لم يكن الحظ حليف رفاقنا في الفصيل المقابل، إذ استشهدوا جميعاً.
عدنا إلى المقر، حيث كانت الرفيقات والرفاق يتهيأون للمواجهة القادمة. كُلّفتُ بالتوجه إلى مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني لطلب الإسناد، لكن الرد جاء بالاعتذار، بحجة أنهم تلقوا أوامر بالانسحاب إلى جهة أخرى.
بدأت الأخبار تتوارد عن هجمات متزامنة شنتها جماعة ناوشيروان على جميع مواقعنا المحيطة ببشت آشان، سقط خلالها خيرة الرفيقات والرفاق، منهم الشهيدة عميدة، والشهيد خضر كاكيل، ومام رسول (سور).
تحت وطأة التعب والإنهاك وقلة النوم، توزع الرفاق على عدة محاور لمواجهة معركة غير متكافئة، حشد لها العدو قواه، مدعوماً بفصائل أخرى.
كُلّفت لاحقاً من رفيق بدرجة ملازم، مع مجموعة من الرفاق، بحمل كيس كبير يحتوي على وثائق ومواد حزبية، والتوجه به نحو مقر بشت آشان، بينما كانت قوات ناوشيروان تتقدم تدريجياً نحونا، مزودة بأسلحة من النظام المقبور.
لم يكن الانسحاب سهلاً،الرصاص كان ينهال علينا من كل الجهات. وبعد ساعات من السير، شعرت بثقل الكيس، ففتحته لأجد أن معظمه يحتوي على حاجات شخصية، عدا بعض الأوراق. وعند أول نهر صادفنا، ألقيته في الماء، لعدم أهميته، ولئلا يقع في يد العدو.
مع غروب الشمس، وصلنا إلى بشت آشان، التي كانت قيادات الحزب قد غادرتها مسبقاً باتجاه قنديل. طُلب مني مجموعة رفاق ألتقينا بهم أن أقود الانسحاب نحو قنديل، رغم أن معرفتي بالطريق كانت محدودة. اعتذرت في البداية، لكن الإلحاح دفعني للموافقة على المحاولة.
أوضحت للرفاق أن الظلام قد حل، وأن علينا الانسحاب ونحن متقاربون، دون إشعال نار أو تدخين، لتجنب كشف موقعنا. سرنا بين الأشجار الكثيفة، لكننا علمنا لاحقاً، خلال استراحة قصيرة، أننا فقدنا الاتصال ببعض الرفاق الذين توقفوا دون إعلامنا.
وفي الصباح، باغتهم العدو، وبعد معركة غير متكافئة، استشهدوا جميعاً.هذا ما عرفناه لاحقاً.
وقبل ظهور القمر، لاحظنا تحركات العدو من عدة جهات، في محاولة لمحاصرتنا. واصلنا السير حتى اقتربنا من سفوح جبل قنديل الشامخ، حيث التقينا بمجموعة أخرى من رفاقنا، بينهم ساري، وقد لف رأسه بضماد طبي.
اتفقنا على مواصلة الانسحاب دون توقف، إذ كانت القوات المعادية تحاول السيطرة على الجبل لقطع الطريق علينا. كانت عزيمتنا أقوى، رغم انهمار الرصاص بدقة، ويُقال إن النظام زودهم بأسلحة مزودة بمناظير.
أتذكر أن أحد الرفاق، الذي كان يحمل قاذفة “آر بي جي”، انهار من شدة الإرهاق، وقال إنه لم يعد قادراً على حملها. اقترحت كسرها كي لا تقع بيد العدو، والاكتفاء بسلاحه الخفيف.
كان العطش قاسياً، وكنا نبحث حتى عن قطرات ماء. صادفتُ صخرة محفورة، فيها بضع قطرات، انحنيت لشربها، فبللت شفتي فقط قبل أن تتلاشى.
اشتد التنافس بيننا لبلوغ قمة قنديل المغطاة بالثلوج. وكان ساري، بحيويته، يسبقنا ويحثنا على التقدم. وبعد ساعات من الصعود، بلغنا القمة، ما اضطر العدو للانسحاب، إذ أصبحت المعركة في صالحنا.
على الثلوج، رأينا آثار أقدام رفاقنا الذين سبقونا إلى الجهة الأخرى. وعند نزولنا، التقينا ببعضهم، فسقونا قدحاً صغيراً من الشاي. قضينا الليل هناك، حتى وصلتنا مؤونة في اليوم التالي بعد مشي لمسافة طويلة، حيث التقينا بالرفيق الراحل أبو عامل، وتقاسمنا علب الطعام.
لكن، من شدة الجوع وقلة النوم، لم نكد نستطيع تذوقه، إذ كان يخدش الفم حتى اعتدنا عليه تدريجياً.
لاحقاً، توالت الأخبار عن الجرائم التي ارتكبتها جماعة ناوشيروان، بقتل رفاقنا، خاصة العرب، بدم بارد، كما روت إحدى الرفيقات الشاهدات.
كان بين هؤلاء من عرفتهم عن قرب: أصحاب علم وكفاءة وأخلاق رفيعة، كوادر حزبية من طراز نادر،أصدقاء حقيقيون لشعبنا الكوردي ولكل أطياف العراق،إنهم محفورون في الذاكرة إلى الأبد.
الحديث عنهم فرداً فرداً لا ينتهي… كانوا حقاً معدناً من أنبل الناس.
في الذكرى الثالثة والأربعين لشهيدات وشهداء بشت آشان:
لن ننساكم… أبداً.