تحركنا يوم 13 / 4 / 1987 من مقرنا (مراني) في جبل كَارة، ووصلنا ليلة 16–17 نيسان الى سهل الموصل، حيث مقر السرية الرابعة التي يقودها عسكريا الرفيق توفيق وسياسيا الرفيق ابو ظاهر. هناك كُلفنا بالتوجه الى القوش ومنها الى الموصل برفقة الرفيق (أبو كاظم) عضو اللجنة المركزية للحزب، والمكلف بالعمل السري، وكان معنا ايضا النصير الشجاع شوكت، شقيق الشهيدين تماضر وخالد يوسف متي.

قادنا النصير شوكت عبر جبل القوش (بيرموس) من الجهة الغربية، متجنبين الربيئة المطلة على الوادي، حتى وصلنا إلى بيت قريب من الجبل يعود لرجل يُدعى خالد، وهو من المتعاطفين مع الحزب ويملك سيارة كوستر. بعد ان استحمينا وحلقنا ذقوننا، استبدلنا ملابسنا بملابس مدنية، ثم سلّمنا أسلحتنا إلى شوكت ليعيدها الى مقر (مراني)، وتسلمنا الوثائق المزوّرة التي سنحملها معنا في الطريق. بعد العشاء جلسنا نتباحث حول أفضل وقت للسفر إلى الموصل، وما قد نواجهه من أسئلة جنود السيطرات وكيفية الرد عليها. فتكوّنت لدينا صورة واضحة، مستفيدين من خبرة خالد الذي يتردد باستمرار بين الموصل والقوش. وبناء على ذلك تبيّن أن أفضل وقت للتحرك هو عند الفجر.

مررنا بـ(عين الماء في محلة سينا)، فاجتاحني حنين عميق لرؤية بيتنا القديم هناك، ذلك البيت الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن العين. وعلى الجهة اليسرى منها كان يقع بيت القائد الانصاري توما توماس. كان مظلما وموصد الأبواب، فقد صادرتْه السلطة، بعد انضمام جميع أفراد العائلة إلى حركة الأنصار. همست في أذن أبو كاظم: "هذا بيت أبو جوزيف، لا أحد فيه".

الساعة تجاوزت الخامسة فجرا، وما زلنا ننتظر سيارة تقلّنا إلى الموصل. وبعد نحو عشر دقائق، وصلت سيارة تاكسي إلى ساحة خِپَرتا (المنطقة المحفورة). ركبنا (أنا وأبو كاظم) في السيارة وكأننا غريبان لا يعرف أحدنا الآخر. واصلنا الطريق حتى بلغنا أول سيطرة للقوش. لم يكن هناك أحد في الموقع، فأطلق السائق بوق السيارة. بعد لحظات جاء أحد الحراس، ألقى نظرة داخل السيارة، ثم أشار لنا بالمرور.

عبرنا القرى على جانبي شارع القوش – الموصل، كل منا غارق في أفكاره: كيف بدت لنا المنطقة من أعلى الجبل، وكيف تبدو الآن بعد أن صار الجبل خلفنا؟ أخذتني المشاعر إلى رفاقنا الانصار، والى رفاقنا في الداخل، والى المهام التي تنتظرني، مع شعور حاد بالفرق الزمني: أين كنا؟ وأين سنكون؟.

اجتزنا قرية الشرفية التي عرفت جرأة أنصارنا، ومررنا بمناطق دوغات والنصيرية والجراحية، ثم  مررنا بمنطقة (له ندى) وهي مرتفعات وتموجات ارضية على جانبي الشارع. في هذه المنطقة وقبل المرور بتللسقف، تذكرت المعركة التي دارت بين الانصار وقوات السلطة في اب 1984، وقد تكبد العدو فيها خسائر فادحة، واستشهد على اثرها النصير الشجاع سنحاريب من اهالي القوش.

وصلنا الى الموصل، وكانت اجواء المدينة مثيرة للدهشة، خاصة للرفيق ابو كاظم الذي انقطع عنها مدة طويلة. تناولنا وجبة الفطور في مطعم شعبي، ثم انطلقنا من كراج الشمال نحو اربيل التي وصلناها قبل الظهر. وحال قدومنا التقينا بالرفاق الذين كانوا على علم بوصول (أبو كاظم) الذي سرعان ما التقى بالمسؤول عن التنظيم، وتم الاتفاق على توزيع المهام بينهم، "ولا أعلم حتى الآن ما هي مهماتهم، لكني أعرف مهماتي آنذاك".

بعد عدة أشهر من النشاط والتحركات بين الطلبة والعسكريين والمعارضين للحرب، والتواصل مع الشيوعيين القدامى والجدد، سألني المسؤول الحزبي عما إذا كان بإمكاني ترتيب عمل وسكن في بغداد بدلاً من الموصل. تواصلت مع رفاقنا في خطنا التنظيمي هناك، وأبدوا استعدادهم لدعم الانتقال وتركيز النشاط والنضال في المدينة. وهكذا، وبعد عمل دؤوب، انتقلنا إلى بغداد.

في بغداد اجتمع شملنا من جديد: أنا وأبو كاظم وأبو محمود ناصرية (السرية الرابعة). استقرّينا في شقة متواضعة في حي الأمين الثانية قرب المشتل وقناة الجيش في بغداد الجديدة، وذلك في كانون الأول 1987. احتوت الشقة على مكاتب للمهندسين والمحاسبين، وكنت حينها قد وجدت عملاً مع أحد مقاولي التكييف والتبريد، لتغطية نصف تكلفة إيجار الشقة، فيما كان الحزب يتكفل بالنصف الآخر من خلال أبو كاظم وأبو محمود. وهكذا تم تأمين السكن، الذي مثل المرحلة الأهم للعمل والنضال السري الحزبي، وكانت بداية هذه المرحلة في أوائل كانون الأول من عام 1987.

بعد استقرارنا، وضعنا خطة للاحتفال بالذكرى الرابعة والخمسين لتأسيس الحزب بطريقة سرية، تمثلت في توزيع منشورات تدعو إلى وقف الحرب، وإسقاط النظام الدكتاتوري، وتحقيق الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان، ودعوة الجنود للعودة إلى حياتهم الطبيعية وإنقاذ البلد من الدمار والاستغلال. درسنا الخطة بدقة، وأدخلنا عليها تعديلات مع مرور الوقت. واحتفلنا نحن الثلاثة فقط في الشقة بحلول السنة الجديدة 1988. خلال هذه الفترة كسبنا بعض الطلبة والعسكريين للحزب عبر أصدقاء ورفاق الجامعة، مما وسّع شبكة نشاطنا.

كانت خطتنا تقضي بتوزيع كمية كبيرة من المنشورات في بغداد، في جانبيها الكرخ والرصافة، لإظهار حضور الحزب الفاعل. أمّا عملي اليومي فكان يمتد من السابعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وكثيرًا ما كنت أبقى ساعات إضافية مع الفريق عند حدوث أي عطل في أجهزة التكييف المركزي حتى يتم إصلاحه.

ومع مرور الأيام واقتراب شهر آذار، رتبنا كل ما يلزم لهذه المهمة بعناية. أُبلغ الرفاق الذين نتواصل معهم بالمهمة، دون تحديد موعد أو وقت محدد، لضمان السرية واحكام التدابير. اشترينا الأوراق والظروف وأقلام الخط الملونة "ماجك"، واتفقنا على منح كل رفيق خمسين منشورا، فبلغ المجموع الكلي 350 منشورا، يُفترض توزيعها على سبع مجموعات من رفاق ومرشحين وأصدقاء، أربعة منهم في الرصافة وثلاثة في الكرخ.

في مساء احد الايام من عام 1988، عدت إلى الشقة لأجد أبو كاظم جالسا والراديو الأبيض في أذنه، وجهه كئيب ومصدوم. أخبرني بخبر مروع: الجيش العراقي، بأوامر من النظام الدكتاتوري، استخدم السلاح الكيميائي ضد مدينة حلبجة، لا الأنصار أو البيشمه رگه هذه المرة.

أذاعت المحطات العالمية الخبر مع إحصاءات مأساوية تقارب 5000 قتيل من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وعوائل فقدت أبنائها بالكامل. شعرت بحزن عميق وغضب عارم تجاه السلطة ووحشيتها. كان هذا أول استخدام معروف للسلاح الكيميائي من قبل نظام ضد شعبه، بذريعة مواجهة الجيش الإيراني والمتعاونين معه من بعض الأحزاب الكردية.

فكّرنا في كيفية الرد على مجزرة حلبجة، فقررنا تكثيف المنشورات التي تُدين الجريمة بشكل مباشر، مع توجيه نداء إلى الطيارين والعسكريين الشرفاء لرفض تنفيذ أوامر الدكتاتور واستهداف المدنيين. كانت هذه أول خطوة ميدانية لنا في بغداد لكشف فظائع النظام. واخترنا يوم 18 آذار 1988 موعدًا لتوزيع المنشورات، تزامنًا مع المباراة النهائية لكأس الخليج، حين كانت الشوارع شبه خالية، بما يضمن توزيع منشورات تحمل اسم الحزب الشيوعي العراقي بدرجة أكبر من الأمان.

تضمّنت المنشورات إدانة واضحة لمجزرة حلبجة، ووجّهت نداءً إلى الطيارين والعسكريين الشرفاء لرفض أوامر النظام الفاشي. وقد أسهمت هذه الإضافة في رفع معنويات الرفاق المكلّفين بالمهمة وزيادة حماسهم.

قمنا بكتابة محتوى المنشورات بخط الرقعة، فيما أُضيف شعار الحزب الشيوعي العراقي بالخط الفارسي. وأعددنا نحو 100 منشور على ورق شفاف، ووضعت داخل مظاريف أنيقة، وأحيانًا أرفقنا معها قطعًا من "الجكليت" الاحتفالية.

كنت قد أتقنت فن الخط العربي بشكل جيد، إذ تعلمته في البيوت الحزبية منذ سنوات، بمختلف أنواعه المعروفة. وقد شارك في هذه الحملة كل من الرفاق: هشام، علي، أبو شجرة، سلام، جلال، علي، نائل، الشهيد بركان، إضافةً إليّ.

قام كل فريق بأداء مهمته وانجازها بنجاح في الوقت المحدد، لكن القلق ظل يساورنا، إذ كنا منشغلين بالاطمئنان على جميع الرفاق الذين كلفناهم بكتابة ملخص عن ادائهم. استغرق الأمر يوما كاملا لمعرفة النتائج والتفاصيل.

في 19 آذار 1988، اجتمعنا مع الرفاق لتلخيص مهماتهم، وكانت فرحتنا كبيرة بما تحقق. شملت حملة توزيع المنشورات مناطق واسعة في بغداد: الوشاش، الطوبجي، الشعب، الصليخ، القاهرة، الشيخ عمر، بغداد الجديدة، الرشيد، شارع الجمهورية، الزيونة، الكرادة، الكفاح، الطالبية، الثورة، الوزيرية، المنصور، إضافة إلى باصات المصلحة في شارع فلسطين، العلاوي، والنهضة.

كان إنجازا كبيرا في ظل الإمكانات المحدودة، وتحديا صارخا للدكتاتورية التي حاولت طمس حضور الحزب. هذا النجاح أكد استمرار نشاط الحزب الشيوعي العراقي في بغداد رغم كل ادعاءات النظام.

النصير الشيوعي العدد 45 السنة الرابعة نيسان 2026