منذ طفولتي وحتى بلوغي الرابعة والعشرين، نشأت على مبدأ أن الصمود ليس موقفا عابرا، بل أسلوب حياة. في بيتنا كانت سيرة السيد المسيح حاضرة في الأحاديث المسائية، كيف صمد أمام التعذيب ولم يخن رسالته، وكيف سقط يهوذا أمام الإغراء. بين هاتين الصورتين تشكّل وعيي المبكر: امّا الثبات، أو الخيانة. عندما مرض والدي، كنت ما زلت على مقاعد الدراسة. لم تكن ظروف العائلة تسمح بالتردد، ففكرت أن أفتح محلا للحلاقة، رغم أني لم أعمل حلاقا من قبل. كانت أدوات الحلاقة متوفرة في البيت، وكان والدي يقص شعرنا بإتقان في طفولتنا. ومع ذلك، لم أكن أملك الخبرة الكافية. كنت الحلاق الوحيد في الحي. ذهبت ذات يوم بعد الظهر إلى صالون "أرام" في المدينة، وجلست أنتظر دوري. وعندما جلست على الكرسي، سألت الحلاق: "كيف تمسك المشط أثناء الحلاقة؟" نظر إليّ باستغراب وقال: "لماذا؟" أجبته: “لأنني اليوم سأبدأ الحلاقة بنفسي، تعجب أكثر، لانه يعرفني طالبا في المدرسة، لكن الظروف كانت أقوى من الاستغراب.
في عام 1968 جهزت محلا صغيرا لا تتجاوز مساحته 15 مترا مربعا. بدأت العمل عصرا، وكان أول دخل لي 950 فلسا. كانت فرحتي في تلك الليلة لا توصف، ودهشة والدي ووالدتي أكبر من المبلغ نفسه. خلال تسعة أشهر، ازداد عدد الزبائن من المعارف والأصدقاء، ففكرت بالتوسع. استأجرت محلا أكبر مقابل محلي القديم، وأثثته بديكور جيد ومبردة، وبدأ العمل يزدهر حتى احتجت إلى عامل آخر، لكن النجاح لم يمرّ بهدوء، ففي عام 1970 بدأ جهاز الأمن بمراقبة المحل: من يدخل ومن يخرج. لم أكن مهتما، فأنا لم أكن أرى في محلي سوى مكان عمل ولقاء شباب يتبادلون أحاديثهم.
في تموز عام 1970 طُلب مني مراجعة مديرية الأمن. حين دخلت غرفة الضابط، قرأت اسمه المكتوب الضابط: "الضابط الحقوقي حميد القيسي". ظننت أن كلمة "حقوقي" تعني عدالة. لكن الصفعة التي جاءتني فجأة، والضرب والإهانات، كسرت هذا الظن قبل أن تكسر أحد أسناني. اتهموني بالشيوعية، وطلبوا مني أن أفشي أسماء من يأتون إلى محلي. عرضوا عليّ المال، عشرة دنانير عن كل معلومة، ومسدسا، وهاتفا في المحل وإغراءات أخرى، مقابل أن أكون عينا لهم على الناس. في تلك اللحظات، لم يكن في ذهني سوى صورتين: المسيح صامدا تحت العذاب، ويهوذا ساقطا أمام المغريات. رفضت، وكل رفض يقابله ضرب بالكيبل وإهانات، لكنني كنت أردد في داخلي: الجسد قد يُكسر، أما الضمير فلا يُباع. تكررت الاستدعاءات، ثم أُغلق محلي لأكثر من سنتين بعد اتضاح ميولي السياسية، وكنت أدفع الإيجار دون عمل.
طرقت أبواب المؤسسات، حتى وصلت إلى مكتب المحافظ وليد الخشالي. قلت لهم يومها: "ألم يقل عمر بن الخطاب قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق؟" ضحكوا. خرجت بلا نتيجة. عندما ضاق الأفق تماما، وبعد أن سُدّت كل الأبواب، لم يعد الأمر مجرد محل حلاقة، بل كرامة مهدورة. في زمن حكم حزب البعث، حيث القبضة الأمنية تحكم كل شيء، حملت السلاح ولجأت إلى الجبل. لم يكن ذلك حبا في الحرب، بل نتيجة انعدام الخيارات. استمرت المواجهة لسنوات الأنفال، حيث بلغ القمع ذروته والمأساة أقصاها. لم أختر السلاح أولا، بل اختارته الظروف حين أُغلقت سبل الحياة الكريمة.
اليوم، عندما أنظر إلى واقع العراق، أشعر بمفارقة مؤلمة. في الماضي كانوا يعذبونك لتخون، أما اليوم فكثيرون يخونون دون أن يُعذَّبوا. الفساد لم يعد خوفا، بل صار ممارسة يومية. الانتهازية لم تعد تهمة، بل مهارة. أصبح المال معيارا، والمبدأ عبئا. قصتي ليست بطولة شخصية، ولا دعوة إلى العنف، بل شهادة زمن. أردت أن أقول إن الإنسان يمكن أن يُحاصر في رزقه، ويُضرب في جسده، ويُشوَّه اسمه، لكنه يبقى حرا ما دام ضميره حيا. بين صمود الأمس وانتهازية اليوم، يبقى السؤال: هل المشكلة في الزمن… أم فينا نحن؟.