ذهبتُ إلى أحد البيوت أسأل عن الشخص الذي سيوصلني إلى المكان المتفق عليه. طرقت الباب الخشبي، فخرج رجل يرتدي الزي الكردي وقال بالكردية: "فَرمو كاكا". أجبته بالعربية "أبحث عن رجل نسيت اسمه"، أجابني بكلمة: "تفضل". قدمت اسمي الحقيقي وكلمة السر، ثم دخلت بحذر ظنا مني أن في البيت عائلته. كانت رائحة الشاي تعبق في المكان، وشعرت بدفء غامر يبعث الطمأنينة. وجدت ثلاثة أشخاص أمامهم ثلاثة أكواب من الشاي، فعرّفني بهم قائلا: "هذا رفيق جاء من الداخل"، دون أن يذكر اسمي. كان استقبالهم لطيفا، وقد رحبوا بي بحفاوة.
وصلنا القرية عند الظهيرة، فقال لي الرفيق: "هيّئ نفسك، لكن قبل ذلك يجب أن نشتري لك حذاء سمسون ليساعدك على السير فوق الثلج"، وأضاف: «تحتاج الى اسم حركي ايضا". لم أتردد، وأجبت فورا: "أبو زاهدة". سألني بعدها: "هل لديك أحد هنا؟" قلت: "نعم"، وذكرت اسم أخي الحقيقي ولقبه (أبو رضية). منذ تلك اللحظة شعرت أن الطائر الذي ظننته يحوم فوق رأسي سيرافقني طوال مشواري.
كان الرفيقان اللذان معي يحملان أسلحة كلاشنكوف، ويربطان حزام (قابوريات) على خصريهما، ويحملان على ظهريهما (عليجات). بدأنا نسير في طريق متعرج يزداد فيه الثلج ارتفاعا شيئا فشيئا. قال لي الرفيق: "نحتاج من خمس إلى سبع ساعات لنصل الى مقر الحزب في كوماته". لم يكن عليّ أن أجيب بشيء سوى أن أواصل السير خلفهم، أسمع وأنفّذ ما يقولون. سرنا قرابة ساعتين ونصف، ثم قال مسؤول المفرزة: "نأخذ هنا استراحة عشر دقائق، ثم نتابع الطريق".
كان المكان مفتوحا ومغطى بالثلج. أخذ الرفيقان ازالة الثلج من الوسط وجمع الحطب اليابس، ثم أشعلا النار بطريقة بدائية تجعلك تشعر كأنك عدت إلى عصور غابرة. تجمعنا حول النار، وبدأ الدفء يزحف إلى أطرافنا المتجمدة. تمنيت، وأنا ممدد على الثلج، لو أن النار كانت في حضني…
"خوية صباح الخير، شلون نومتك؟ زينة؟". الليلة الأخيرة في بيت أختي كانت ثقيلة جدا على جفوني، وأنا محشور مع أولادها وبناتها. "خوية، أگلك شي قبل لا تروح لأصدقائك: لو تمر على أمك وتستودعها"!، وبحسرة ونفس عميق من القلب الذي توقف لحظة، وبصوت مبحوح قلت: "آه .. يا أمي". ثم أضفت: "لا أستطيع، لا أحتمل بكاءها وهي تودعني، الأفضل ألا أذهب".
ناداني رفيقي: "إكَعد، لازم نوصل بسرعة للمقر". لم أجب، لكن داخلي يغلي بالحنين. أمي امرأة طيبة وبسيطة، ذات جذور سومرية جنوبية، ملامح الحزن ترافقها أينما حلّت، كغيرها من نساء الجنوب.
كان الثلج يغطي الجبال والوديان، وبين حين وآخر يسألني الرفيق: "هل تستطيع أن تواصل السير؟"، ولكي يخفف عني التعب يضيف: "سنصل قريبا إلى المقر". واصلنا السير في الطريق المتعرج صعودا وهبوطا، والثلج يصل إلى الركبتين. لمحت ساقية (روبار) غير بعيدة عنا تنحدر جنوبا، فقال مسؤول المجموعة: "قريبا نصل إلى المقر". شعرت بإرهاق شديد، الا أني لم أُظهره أمامهم. سرنا مسافة خمس الى عشر دقائق صعودا، تاركين الساقية خلفنا، حتى لمحت غرفة صغيرة على يسار الطريق وأخرى كبيرة على اليمين، قال الرفيق: "هذا هو مقر الحزب، لكن مبيتنا لن يكون هنا، سنواصل قليلا حتى نصل إلى مقر فصيل الحراسة".
دخلنا المكان فاستقبلنا أحد الرفاق قائلا: "يمكنكم ان ترتاحوا هنا". جلست مثل أي غريب يدخل مكانا للمرة الأولى، وكان هناك عدد قليل من الرفاق يتحدثون مع من جئت معهم. تقدم أحدهم نحوي مبتسما وقال: "تستطيع أن ترتاح وتنام هنا". تمددت على الفراش، وإذا بها — وكأنها طيف في ذاكرتي — تقول: "اسمي زاهدة". قالت ذلك بخجل خفيف، فقلت مبتسما: "اسمك جميل، وحزين قليلا، وغير مألوف". أجابت: "أنا لست من بغداد، أنا من السليمانية".