في أواسط شهر أيلول من عام 1981، عقب انسحابنا من (ورته) بعد أولى مواجهاتنا مع قوات جلال وناوشيروان، كنت والراحل أبو وليد سماوة (حسن عبد عبود) في موقع الحراسة على القمة المطلة على وادي (بشت آشان) من جهة قرية (پولي). في تلك اللحظات، أغارت علينا في وضح النهار، أربع طائرات هليكوبتر قادمة من جهة قلعة دزه، فأطلقنا على الفور الانذار لرفاقنا كي ينتشروا. عندما وصلت الطائرات الى موقعنا، كانت تحلق على ارتفاع منخفض جدا، حتى كنا نرى الجنود خلف رشاشاتهم بوضوح تام. عندها احتمينا داخل الحفرتين المحصنتين باحكام والمخصصتين للحراسة.

هزّ المقر دوي انفجار عنيف، أعقبه انفجار ثانٍ وثالث. وسرعان ما ظهرت الطائرات الأربع فوق رؤوسنا، اطلقت النار مباشرة على موقع حراستنا من فوهات الدوشكا المثبتة فيها، ثم دارت مرات عدة حول المقر، قبل أن تعود للتحليق فوقه وتُمطر المساحة التي عبرتها برشقات عشوائية على امتدادها. وفي نهاية المطاف، انسحبت بعد نحو نصف ساعة باتجاه قلعة دزة.

اندفعنا نحو أسفل السفح لتفقد رفاقنا الذين بقوا في المقر. كان الجميع، مثلنا، يعتريهم القلق من احتمال وقوع إصابات، ولكن في حالة تأهب تحسبا لأي إنزال مفاجئ. بعد ذلك صعدنا برفقة ثلاثة آخرين الى الأعلى، باتجاه موقع الحراسة الثاني على القمة المطلة مباشرة على المقر والطريق العام. هناك وجدنا رفيقنا الحارس، الشهيد أبو شهدي (عطية زايد بدن البهادلي)، منكمشا على نفسه بين صخرة وجذع شجرة. وما إن سمعنا حتى قال: "أنا بخير، وأنتم؟". كان يظن أن الصواريخ قد هدمت الجبل ودفنته بالكامل، بعدما شاهد الصخور تتدحرج نحو الوادي وتصطدم ببعضها بقوة. بدا وجهه شاحبا حين رأيته، وعندما مددت يدي لمساعدته على النهوض، لاحظت شظايا سوداء عالقة بجلده في مواضع عدة. ومع ذلك، تمكّن من النجاة، ونزل معنا بسلام.

بعد ساعات قليلة، تجمعنا لنلقي نظرة على المكان الذي سقطت عليه الصواريخ وانتشرت فيه شظاياها المتكسرة. قال احدنا "انها معجزة ان نسلم من هذه الضربة، فأنها اصابت بدقة وسط المكان الذي كنا نطهي به الطعام، استعدادا لتناول الغداء.

كان (المطبخ – المطعم) أشبه بمقهى صيفي يطلّ على نهر هادر. فقد عمد عدد من رفاقنا الى تثبيت ألواح خشبية كمقاعد بين كل صخرتين، موزعة على ثلاثة جوانب، بينما وُضع في الوسط لوح خشبي مربع اتُّخذ مائدة للطعام. ومن الجهات كافة، كانت الصخور المهيأة لبناء مقر جديد مكدسة فوق غيرها، ترتفع الى عدة أمتار خلف رؤوسنا.

قرية (پولي) المهجَّرة جميلةً ونظيفة، تتخللها سواقٍ جارية، وتنتشر فيها بقايا بيوت رائعة. أمّا سكانها، فقد طُردوا منها منذ زمن، بعد أن دمّر الجيش منازلهم وحقولهم وأشجارهم المثمرة. واستمرّت أعمال التخريب سنوات طويلة، حتى تحوّل الجانب الواسع من الجبل الى سفح قاحل، لم يبقَ على سطحه سوى القليل من أشجار العفص المتناثرة، التي لا توفّر ظلا يُذكر، ولا تصلح حتى طعاما للماعز.

انتظرنا عودة قصف الطائرات، لكنها لم تعد، لا في اليوم نفسه ولا في اليوم التالي، ولا حتى بعد اسبوعين. وعلى اثر ذلك، وفي بداية الشهر العاشر، تقرر أن نعود الى مقراتنا في قرية (ورته) في سفوح جبل (الكاروخ).

بعد نحو عشرة أيام من وجودنا في (ورته)، بدأ الجلاليون هجومهم الثاني علينا مصحوبا بالقصف، فاضطررنا الى الانسحاب مرةً أخرى نحو (پولي وبشت آشان). ومنذ ذلك الحين لم نشاهد الطائرات المروحية مجددا، إذ بدا أن الجلاليين قد تولّوا قصف ما كان من المفترض أن تستهدفه تلك الأسراب.

النصير الشيوعي العدد 46 السنة الرابعة آيار 2026