قبل إلتحاقي بحركة الأنصار، كنت أعيش مع رفيقتي زوجتي وأطفالي في بيت حزبي بمدينة كركوك، بعد انتقالنا إليها من مدينة الموصل التي أمضينا فيها بضع سنوات. جاء انتقالنا الى كركوك نتيجة الحاجة الى التواجد المستمر فيها، إذ كنت مسؤولا عن منظمتنا الحزبية الصغيرة نسبيا في هذه المدينة، التي كانت تُعد حصنا متينا للبعث الفاشي بعد محاولات تعريبها بمختلف الوسائل.
ضمت منظمتنا قرابة عشرين رفيقا وصديقا من شرائح اجتماعية متنوعة: من الطلبة والعمال والموظفين، إضافة الى عنصر مهم تمثل في عسكري متقدم نسبيا في رتبته. كنت ألتقي به باستمرار، وحدثني عن مهمته الحساسة في تدريب عناصر "فدائيي صدام" على مختلف الأسلحة والمهارات، بما فيها الحروب الجبلية.
في عام 1984، أصدرت اللجنة المركزية للحزب بيانا عقب اجتماعها، دعت فيه الى الايقاف الفوري للحرب العراقية الايرانية، وفي ذات الوقت دعت الى اسقاط الدكتاتورية الفاشية.
جرى نقاش بين عدد من الرفاق الموثوقين ومسؤول المنظمة الاعلى بشأن آلية توزيع البيان على نطاق واسع. كان السؤال الأهم: كيف يمكن تنفيذ ذلك في ظل الظروف الأمنية المشددة؟
تم الاتفاق على استنساخ البيان يدويا بعدد كبير من النسخ، ثم توزيعه بطريقتين. الاولى كانت تحديد "لحظة الصفر" للتحرك، عبر إلقاء النسخ من تحت أبواب المنازل في وقت تكون فيه الشوارع هادئة. وبعد نقاش، وقع الاختيار على وقت عرض المسلسل الأردني الشهير آنذاك "رأس غليص"، إذ كان يحظى بمتابعة واسعة تجعل الشوارع والأزقة شبه خالية. وبالفعل، نُفذت العملية بنجاح كامل ومن دون أي خسائر.
أما الطريقة الثانية، فتمثلت في وضع البيان داخل ظروف بريدية، بعد شراءها والطوابع، ثم ارسالها الى معظم — إن لم يكن جميع — الدوائر الحكومية والعسكرية في المحافظة، مثل محافظة كركوك، مديرية الأمن، الاستخبارات العسكرية، قيادة الفرقة، قيادة الفيلق الأول الذي كان مقره في المدينة، إضافة الى دائرة الصحة، مديرية الطرق والجسور، دائرة التربية، وجهات أخرى لا اتذكرها بدقة الآن. وقد توليت بنفسي وضع الرسائل في صندوق البريد بعد الانتهاء من المهمة الأولى، في الليلة ذاتها.
في اليوم التالي، كانت شوارع المدينة تغلي بالمعنى الحرفي للكلمة. انتشرت قوات الأمن والمخابرات والشرطة والانضباط العسكري في كل مكان، يحمل افرادها أوراقا وأقلاما ويطلبون من المارة كتابة عبارات معينة لمقارنة الخطوط والتوصل الى منفذي العملية.
كانت بحق عملية جريئة وناجحة بكل معنى الكلمة، خصوصاً في مدينة مثل كركوك، حيث كان القبض الأمني شديدا والرقابة لا تهدأ.