يسمونه باني الحضارات. بنيت بجهوده الأهرامات، أكبر صرح حضاري مادي في التاريخ. له حضور في كل مراحل تطور البشر، وما من أسرة عاملة، أيام كان العالم زراعيا، استغنت عنه. هو واسطة نقل حيوية ومضمونة، هذا عدا مساهماته المشهودة في الحروب خدمة للجيوش المتقاتلة. عموما لم يخيب ظن أحد به أبدا.
أتحدث عن الحمار!. نعم الحمار!، الحيوان المغبون، الذي تنكر البشر لما قدمه لهم وصاروا يتشاتمون باسمه وبصفاته.
اسمه، مثلا، أكثر مفردة مهينة لدى المغاربة إذا نُعت أحدهم بها. وأتصور أن الناس حين يتشاتمون باسمه يقصدون بذلك عناده وعنفصته، أي قلة حيائه.
كما أعتقد أن العراقيين ذهبوا لهذا المعنى حينما تفردوا بإطلاق مفردات رديفة لاسمه الرسمي مثل (زمال و مطي)، وهي ابتكارات، عدا ما تنطوي عليه من فكاهة وظرف، فهي أيضا جسدت "لفظيا" صفاته السيئة، كالعناد، وبرّزت خصاله "الذهنية" و" الاجتماعية"، بينما كان اسمه الرسمي الذي عُرف به (حمار)، يشير كما يفترض، الى صفاته الكلية، البيولوجية والوظيفية.
ورغم شبهة الغباء التي توحي بها الشتيمة التي تتوسل اسمه، إلا أنه في الحقيقة ليس حيوانا غبيا، ولي شخصيا تجربة تشهد على ذلك، سأحكيها لكم.
في أيام الأنصار، كنا في الإذاعة. نزلنا في احد الايام أنا ونصير آخر الى المقر الرئيسي لجلب احتياجاتنا الإدارية، وكان برفقتنا حمار يساعدنا على حمل الأغراض. كان حمارا فتيا، وديعا ومرحا.
الطريق المنحدرة من جبل (بيتوش)، حيث مقر الإذاعة، طويلة ومتعرجة، لكنها، كما كل شيء في طبيعة كردستان، جميلة لحدود يصعب وصفها. الدنيا ربيع (والجو بديع) فعلا، الأرض مخضرة وشقائق النعمان الجميلة تحيط بالبصر، وأينما نظرت ترى منظرا خلابا. الأرض بطبيعة الحال مليئة بالحشائش، وهي بالتأكيد مغرية لمرافقنا الحمار، فيتوقف ليأكل. وكان مرافقي نصيرا نزقا متذمرا بطبيعته (لن أذكر اسمه فقد يقرأ هذا البوست و شيخلصنا). كان يتضايق من توقف الحمار للأكل ويضربه و "يفّشر" عليه لكي يسير. وأعتقد أن الحمار تضايق من "الفشاير" وليس من الضرب!.
كنا لا نستطيع، حتى إن رغبنا، أن نستجيب لرغبة الحمار بالأكل، فهذا يتطلب وقتا طويلا، ربما بالساعات، حتى يشبع، والموقف لا يحتمل، فنحن في مهمة وعلينا انجازها في وقت محدود.
ما الحل إذن، أو، بتعبير آيدلوجي، ما العمل؟
الحمار يريد أن يأكل وصاحبي يمنعه. وعلينا، نحن الثلاثة، أن نجد حلا عمليا يرضي جميع الأطراف.
من بتصوركم وجد، أو ابتكر الحل؟
قد تُفاجأون!
الحمار نفسه!
كيف؟
بعدما يئس من تفهمنا لرغبته وحاجته، وخوفا من تعامل رفيقي الخشن معه، أخذ يركض ليسبقنا بمسافة طويلة، ويتوقف ليأكل، وحين نصل إليه، يعاود الجري لمسافة أخرى ويتوقف ليأكل، وهكذا الى أن وصلنا إلى المقر: هو شبعان ونحن غير متضايقين منه، والجميع راض بالحل والنتيجة.
ها، ما رأيكم الآن، هل الحمار حيوان غبي؟
في المقر انشغل رفيقي بالحوار مع أنصار آخرين بشؤون الإدارة، وكنت أنا ممسكا بالحمار، فالتفت إلي، أقصد الحمار طبعا، وطيف ابتسامة زهو تعلوا وجهه، ومن دون أن يلاحظه أو يسمعه أحد، قال لي:
ها .....، شلوّني!؟.