الشكر والامتنان لجريدة النصير الشيوعي، على الجهد الذي تقدمه في استذكار وأرشفة صفحات الزمن الأنصاري الحافل بصور التضحية والتحدي والمقاومة. سأكتب عن بداياتي الاولى واهم المحطات في قاطع اربيل للانصار.

في حقبة من الزمن امتدت لسبع سنوات، كان لي شرف أن أكون نصيراً شيوعياً في حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في جبال كردستان. البداية كانت نهاية آب 1982، حين تركت دراستي الجامعية في جامعة (كارل) للعلوم الاقتصادية في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، متوجهاً الى سوريا، ومنها عبرت الحدود للالتحاق بالمقاتلين. صرت نصيراً في فصيل بولي في منطقة بشت ئاشان، واستمرت رحلتي الأنصارية حتى آب 1989 حين ودعت رفاقي في منطقة نوكان باتجاه منطقة قاسم (ره ش) عند الحدود العراقية الإيرانية.

مصاعب البدايات، تمثلت في مخاض اختيار هذا الطريق النضالي، حيث الصراع الروحي بين شغف ورغبة مواصلة الدراسة التي اتيحت لي، وكنت متفوقاً فيها، والتي انهيت عامين منها، وبين الانسجام الروحي مع القيم التي اخترتها في تبني فكرة أن أكون في صفوف الشيوعيين مدافعاً عن مصالح الشعب والوطن.

لم تمض فترة على قراري هذا، حتى وجدت نفسي في اختبار آخر. بعد المواجهة العسكرية لمفرزتنا أثناء محاولة العبور من منطقة القامشلي في 23 أيلول 1982 باتجاه الاراضي العراقية، عبر الحدود التركية، حيث تعرضت لإصابة بالغة اضطرتني للعلاج في مدينتي القامشلي والحسكة. كانت تلك من أصعب اللحظات في مسيرة حياتي، خصوصا بعد فقدان رفاقي الشهداء الثلاثة: سلمان داود جبو، بهاء الدين أحمد الأسدي، ونمير رمزي يوسف.

بعد مكوثي فترة من الزمن لتلقي العلاج، حيث ساعدني في علاج الجرح طبيب من رفاق الحزب الشيوعي السوري، ولاحقاُ الرفيق الدكتور فاضل الدباغ اخ الرفيق جلال الدباغ، وأيضاً ساعدني كثيراً احد رفاقنا السوريين الذي كان يعمل طبيباً في مستشفى مدينة الحسكة، وكان يأخذني بسيارته الخاصة للتداوي هناك.  بعد حوالي الشهرين، ورغم عدم تماثلي للشفاء، إلتحقت بمفرزة شيوعية انصارية عبرت الحدود من منطقة قريبة جدا من مكان كمين الليلة المشئومة في تشرين الثاني 1982.

في السنوات السبع التي مرت علي في حركة الأنصار، كانت صورة وجوه رفاقي الثلاثة لا تفارقني، ولم أتخلص من كوابيس تلك الصدمة عند المعبر الحدودي لقرية (بازفت).

لم تمر سوى فترة قصيرة على التحاقي بفصائل الأنصار في بولي في بشت ئاشان، حتى وجدت نفسي في مواجهة عسكرية مباشرة، حيث كنت ضمن مفرزة قتالية في نيسان 1983، تصدت لقوة كبيرة من مركبات قوات بيشمركة الاتحاد الوطني، عند الشارع الفاصل بين منطقة ورتة ومنطقة سنكسر، احتشدوا من أجل تطويق مقراتنا، واستعدوا للهجوم الذي أعدوا له ونفذوه في صبيحة الأول من آيار 1983 ضد مقراتنا في بشت ئاشان.

حين استذكر أيام المواجهة في معارك بشت ئاشان، استذكر بألم وحزن، صور رفاقي وأصدقائي الشهداء الذين تقاسمت معهم ضنك وصعوبات تلك الأيام، وتفاصيل تلك اللحظات عند تلال بولي ليلة الأول من آبار، وبعدها المسيرة المضنية باتجاه جبل قنديل عند الحدود العراقية الايرانية، وكذلك صراعنا مع قساوة الثلج والعواصف.

لا زال ألم فقدان رفيقي وصديقي وزميلي في الدراسة في جمهورية تشيكوسلوفاكيا، الشهيد نصير الصباغ (أبو نادية)، يوجع قلبي ويذكرني بفداحة ألم الفقدان.

ضمن مفرزة كبيرة، توجهنا خريف 1983 الى ناحية بارزان في أربيل، وصار المكان مقراُ لقاطع أربيل لأنصار الحزب الشيوعي العراقي. انذاك كنت ضمن أنصار سرية بشت ئاشان التي تشكلت في بارزان، واشتركت في أكثر من مفرزة قتالية، مع الرفيق الفقيد محسن ياسين، في سهول أربيل وكندناوة وقرجوغ، ومنها معركة حمزة بك وبوريجة، وغيرها. كانت تلك من أصعب الأيام، حيث التحرك وسط قوات السلطة وقوات الاتحاد الوطني.

اثر تشكيل سرية (قرجوغ) ضمن تشكيلات قاطع أربيل، بقيادة الرفيق جاسم الحلفي (أبو أحلام)، وذلك عقب استشهاد آمر السرية الملازم أرام، إلتحقت بصفوفها واصبحت أحد رفاقها. كلفت بمهمات مختلفة فيها، وساهمت في أغلب نشاطاتها وفعالياتها العسكرية والجماهيرية المختلفة، عبر الامتداد الواسع لسهول وتلال وهضاب محافظة أربيل. كما كلفت بمهمات أخرى في سرية أربيل التابعة للفوج الخامس بقيادة الرفيق ملازم هزار.

مفارز الأنصار في قاطع أربيل، قدمت الكثير من صور الشجاعة والاقدام الأنصاري، تجسدت في معارك بطولية مشهودة، كان لي شرف المشاركة بالعديد من هذه الصفحات الباسلة، ومنها دخول مركز مدينة أربيل، واقتحام الأقسام الداخلية لجامعة صلاح الدين في اربيل، معركة هيلوه الخالدة، معركة نيرجين، مفارز سيطرات الطرق في أربيل وكويسنجق ومخمور، معارك التصدي في جبل به نباوي، ولاحقاً في مناطق باليسان أيام الأنفال المشؤومة في ربيع عام 1988.

من الصور التي ظلت عالقة في وجداني، تلك اللحظات المؤثرة حين انفجر جهنم الألغام المحيطة بالربيئة العسكرية التي حاولنا اقتحامها عند التلال المحاذية لطريق أربيل- كويسنجق، في نيسان 1987، وفشل عمليتنا العسكرية التي كلفتنا فقدان الرفيق لطيف أحمد (جيفارا) والرفيق عبد الرحمن حمه أمين، والجروح البليغة التي لحقت بالرفيق أبو ميلاد.

بعد أن زحفت قوات السلطة من جحوش وقوات عسكرية، ضد القرى في كوردستان، وضد مقرات الأنصار، في آب 1988، اضطررنا في أربيل للسير في مفرزة باتجاه الحدود التركية والايرانية. خلال المسير وبعد العبور الشاق لنهر الشين، واجهنا قوة عسكرية هائلة من الجيش والفرسان الجحوش، وقد احتلوا جميع مشارف قرية سيريا المشرفة على نهر الشين. وفي صعود وتسلق بطولي لمنحدرات وسفح الجبل، استطعنا هزيمة القوة العسكرية. والحصول على مغانم عسكرية، ومنها جهاز مخابرة واتصالات حديث.

مرت السنون، ولكن ذاكرتي لازالت تحدثني وبألم وحزن ووجع، عن تلك الحشود الكبيرة من البشر من فلاحين وأطفالهم وعوائلهم، الذين تجمعوا عند نهر الشين عند العبارة الوحيدة باتجاه عبور النهر، والتي لا تتسع سوى لعبور أربعة أشخاص في كل مرة، وما سمعناه من أخبار كارثية لاحقاً، من تمكن قوات نظام العصابة الفاشي، من الوصول إليهم واخذهم أسرى، ومن ثم قتل وابادة الكثير منهم.

لا يتسع الحديث هنا في سرد الكثير من المحطات والصفحات البطولية التي سطرها رفاقنا الأنصار، والتي تشرفت أن أساهم في بعض منها.

حركة الانصار الشيوعيين العراقيين، لازالت لم تحض بالاهتمام والتقييم الجدي، من المهتمين بدراسة تاريخ العراق السياسي الحديث، لما تشكله من علامة وحدث مهم، يؤرخ لتجربة غنية حفلت بالعديد من المآثر والفصول الجديرة بالتوقف عندها وانصافها، باعتبارها واحدة من تجارب النضال والتصدي العسكري لأعتى الديكتاتوريات التي شهدتها المنطقة العربية، دكتاتورية نظام البعث في العراق.

ان المهمة التي تواصل جريدة النصير الشيوعي تكريسها وتجسيدها، في الاهتمام بالتاريخ والسرد الانصاري، ومحاولة تجميعه وتسليط الضوء عليه وأرشفته، جديرة بالاحترام والاعتزاز، خصوصاً وأن هناك العديد من الأسماء والوجوه الثقافية والأدبية من الأنصار الذين قدموا وبسخاء نتاج عطائهم الثري في مجالات كثيرة ومتنوعة. وما زالوا يواصلون المهمة، والذين يستحقون الاهتمام والرعاية، والمساعدة على نشر وترويج ابداعاتهم.

وبمناسبة مرور خمسة أعوام على صدورها، لا يسعني إلا أن اتقدم إليها، وإلى أسرة تحريرها وكل من أسهم في استمرارها، بأصدق التهاني والتقدير، متمنيا لها دوام النجاح في أداء رسالتها الوطنية والثقافية، ومواصلة دورها في توثيق تاريخ الحركة الأنصارية وصون إرثها النضالي.

النصير الشيوعي العدد 48 السنة الرابعة تموز 2026