بعد التأكد من بغاله تفحصنا الدليل الشيخ.. واحدا واحدا. بعينه النافذة الحادة تلمس أجسادنا والفراغ اللين بين عضلاتنا .... ومع ذلك فلنجرب!".. قال لنفسه وأعطى إيعاز الحركة
. دي، دي، ديي
الساعة السادسة صباحا بدأنا المسير بخطوات مشددة وهمة مصطنعة... لن نرفع أبصارنا إلى الجبل، كنا نشغلها عن هول الجبل بالزوغان بين الحجارة وسواقي الماء عند السفح . نكتم الشهيق ونشد قاماتنا باستقامة لنثبت، لأنفسنا أولا، إننا جديرون برحلة الرجولة هذه.
الجبل الذي صنع نفسه بنفسه من تموج الأرض وحرارة دمها، لم يضع الإنسان في حسابه ولم يكيف نفسه لخطى الإنسان. لذلك قدم لنا منذ البداية أصعب سلالمه ممر ضيق كثير التلوي حاد الصعود ... بصعوبة كنا نرفع أقدامنا لنضعها أمامنا ثانية، ونجرها جرا فنصدم الحجارة ونكبو في الحفر. خطواتنا تتقاطع مع أنفاسنا الجارحة ومع مسقط نظرنا .
قائد المفرزة الشاب يأتينا من المقدمة بين أونة وأخرى بقفزات جانبية منغمة.
يربت على اكتافنا وهو يكبت ابتسامة ساخرة من هيئاتنا المزرية بحركات سريعة يعدل قيافتنا، فأناقة المفرزة من أناقته، ويلقى لنا بنصائح حفظها عن ظهر قلب
- طابقوا أنفاسكم مع خطاكم، ولتكن خطواتكم قصيرة منتظمة!
- لا ترفعوا القدم الثانية قبل أن تتأكدوا من ثبات الأولى. - وازنوا أحمالكم وتنفسوا من الأنف
لكن من يستطيع أن يغير في ساعات آلية سير تعلمها المدن خلال عشرات السنين؟
نصعد ونحن نجاهد بروحنا بين شدين... حبل غامض يتصل مباشرة بالقلب يشدنا إلى المفرزة التي سبقتنا، حبل من المكابرة والخوف من العزلة، والى القاع يجرنا جسدنا بألم العضلات واحتكاك المفاصل، فيربك بصيرتنا الصاعدة. ومن الوهن والرغبة الشبقة للوصول كنا نغذي إرادتنا الناضبة بالأوهام. يقدم الجبل للعاجز عن صعوده والجاهل بتضاريسه ما يريد من الأخيلة. فالجبل التالي يبدو على مرمى حجر. وكلما استبد بنا العطش يهدينا الجبل وشوشة نبع لا وجود له. ومن شق بين صخرتين تلوح قرية باردة من ظل وضوء. وكما تريد النفس المنهكة، يبسط الجبل للعين قممه فتبدو يسيرة كالكلمات....
لكن كلما توغلنا صعودا تصحح الممارسة ما أخطات العين تقديره، وكلما تطابق البصر والبصيرة قل الجهد.
* من أوراق جبلية