مقدمة: حكاية ليلة عملية شيخه، 23 تموز 1987 في صيف عام 1987، كان العراق يعيش واحدةً من أقسى سنواته. على الحدود الشرقية حربٌ تلتهم الشبّان بلا حساب، وفي الداخل قبضةٌ أمنية تُحصي على الناس أنفاسهم. وفي جبال بهدينان وعموم كردستان العراق، كان الأنصار الشيوعيون العراقيون قد حملوا السلاح منذ سنوات، دفاعاً عن حلمٍ بسيطٍ وعسيرٍ في أن يعيش الإنسان في وطنه حرّاً، بلا خوف.

وفي ليلة العملية على الطريق الدولي الذي يصل ناحية القوش بقضاء الشيخان، على بُعد نحو أربعين كيلومتراً من الموصل، تقع قريةٌ صغيرة من قرى سهل نينوى اسمها شيخه، يسكنها ما بين أربعين وخمسين عائلة. كان يمكن لهذه القرية أن تبقى كأخواتها في السهل، حقولاً وبيوتاً متواضعة وأناساً يعدّون أيامهم بمواسم الحصاد. لكنّ السلطة جعلتها وكراً لاستخباراتها، ونصبت حولها أربع ربايا تحصّن فيها نحو ستين مسلحاً من المرتزقة، ومنها راحت تمتدّ يد القمع إلى كل من رفض أن يكون عيناً للنظام.

هذه حكاية الليلة التي قرر فيها الأنصار أن يضعوا حداً لذلك كله. وهي، قبل ذلك وبعده، حكاية رجلين. الأول عاملٌ من قرية عين بقرة حمل السلاح وهو في الثامنة عشرة، اسمه هرمز خوشابا هرمز، ويعرفه الرفاق باسم أبو نصير. والثاني فنانٌ من قرية ارادن كتب للمسرح وأحبّ السينما حدّ الشغف، اسمه خليل إبراهيم أوراها، ويناديه الجميع روبرت اسمه الحركي. جمعهما الجبل في خندقٍ واحد، ثم جمعتهما شيخه في ليلةٍ واحدة، لأن أحدهما أبى أن يترك الآخر وحيداً على التراب.

قريةٌ على الطريق: لم تُخلق شيخه لتكون وكراً. كانت، مثل سائر قرى السهل، تستيقظ على صياح الديكة وتنام على نباح الكلاب. وكان أهلها يعرفون مواعيد المطر والحصاد أكثر مما يعرفون أسماء الأحزاب والأجهزة. لكنّ السلطة، حين تبحث عن موطئ قدم، لا تستأذن أحداً. جاءت الاستخبارات أولاً، ثم جاء السلاح، ثم جاء رجالٌ يبيعون بنادقهم لمن يدفع أكثر. وارتفعت أربع ربايا على أطراف القرية، في جهاتها الأربع، كأنها أوتادٌ دُقّت في جسدها لتُشدّ فوقها خيمة الخوف. ومن تلك الربايا صار أزلام النظام ينزلون إلى الناس. يداهمون بيتاً هنا، ويقتادون رجلاً هناك، ويكتبون التقارير عن كل من يُشتبه في أنه أطعم نصيراً رغيفاً أو آواه ليلة.

وضاقت الدروب التي كان الأنصار يسلكونها بين الجبل والسهل، وصار كل تحرّكٍ لهم، ولمقاتلي الأحزاب الأخرى، محفوفاً بعيونٍ لا تنام. لم يستعجل الحزب الرصاص. أرسل إلى المرتزقة وإلى عملاء النظام من أهل القرية إنذاراً، ثم ثانياً، ثم ثالثاً، وكانت الرسالة في كل مرة واحدة كُفّوا أيديكم عن الناس. غير أن الإنذارات كانت تعود بلا جواب، أو بجوابٍ أسوأ من الصمت. فقد ازداد المرتزقة شراسةً في ملاحقة الأنصار وعوائلهم، كأنهم قرأوا في الصبر ضعفاً. وهناك، في مقرّ الفوج الأول عقدة قيادة مكتب الفوج مع قائد السرية الرابعة ومساعديه في قاطع بهدينان، قيلت الجملة التي لا رجعة بعدها شيخه لن تبقى وكراً.

الورقة المطويّة: كان للأنصار في تلك الأنحاء ما لم تملكه السلطة رغم كل سلاحها الناس. فللحزب في المنطقة قاعدةٌ جماهيرية واسعة، وكان رفاق التنظيم المحلي عيونه التي لا تُرى. في النهار كانوا يعيشون كما يعيش أي فلاحٍ أو عاملٍ في السهل. يسوقون أغنامهم إلى المرعى، ويحملون أكياس الطحين، ويشربون الشاي في ظلال الجدران. وفي الليل كانوا يعدّون الرجال الصاعدين إلى الربايا والنازلين منها، ويرصدون أين يسهرون وأين ينامون، ويعرفون أيّ بيتٍ يُؤوي هذا المرتزق وأيّ بيتٍ يتردد عليه ذاك. ولم يكن ذلك فضولاً، بل حرصاً. فقد أراد الأنصار أن يعرفوا مسبقاً من أين قد تأتي النار، حتى لا تنطلق رصاصةٌ واحدة نحو بابٍ لا يستحقها.

وفي الوقت نفسه، كان رجال السرية الرابعة يستطلعون الربايا بأنفسهم. كانوا يقتربون منها ليلةً بعد ليلة، ويحفظون الأرض من حولها كما يحفظ المرء زوايا بيته. في إحدى تلك الليالي، جاء رفيقٌ من التنظيم المحلي إلى طرف الحقول حيث كان أبو نصير ينتظره. أخرج من جيبه ورقةً مطويةً مراتٍ عدة، رُسمت عليها مخطط القرية بقلم رصاص أربع دوائر للربايا، ومربعات صغيرة للبيوت، وعلاماتٌ لا يفهمها إلا من سهر عليها. قال الرفيق بصوتٍ خافت هذه بيوتهم يا أبو نصير. وما عداها بيوتُ ناسٍ لا ذنب لهم. طوى أبو نصير مخطط الورقة بعناية، كمن يطوي رسالةً من أمّه، وقال وهذا بالضبط ما نريده. نحن ذاهبون إلى الربايا، لا إلى الناس. ثم وضع يده على كتف الرجل وأضاف وأنت، انتبه لنفسك. عينك أثمن عندنا من ألف بندقية.

الليلة التي سبقت: في الليلة التي سبقت الهجوم، لم يكن أحدٌ في المقرّ يريد أن يتحدث عن الهجوم. جلس الأنصار حول نارٍ صغيرة يغلي عليها إبريق الشاي، تحجبها صخرةٌ كبيرة عن عيون الطائرات. وكان روبرت، كعادته، يروي فيلماً. لم يكن روبرت يحكي الأفلام، بل كان يعيد إخراجها. ينهض حين ينهض البطل، ويخفض صوته حين يقترب الخطر، ويصمت فجأةً في اللحظة التي يحبس فيها الجميع أنفاسهم. فيصيح به الرفاق أكمل!، فيضحك ويقول هذه في السينما اسمها لحظة التشويق يا جماعة اصبروا.

كان يروي تلك الليلة حكاية شارلي شابلن وحلاقه الصغير الذي يشبه الدكتاتور شبهاً عجيباً، حتى يُحمَل ذات يومٍ إلى منصة الخطابة بدلاً منه. وحين بلغ المشهد الأخير، نهض ووقف على الصخرة، وارتجل خطبةً بكلماته هو لا بكلمات شابلن. تحدّث عن الإنسان الذي خُلق ليحيا لا ليُساق، وعن بلادٍ تتسع لأهلها جميعاً، وعن خوفٍ لا بدّ أن ينتهي. صفّق الرفاق، وقال أحدهم ممازحاً يا روبرت، كتبتَ مسرحيةً اسمها (الدكتاتور)، والليلة تحكي لنا فيلماً عن الدكتاتور ألا تملّ من هذا الرجل؟ فجلس روبرت مبتسماً وقال أنا لا أملّ منه يا رفيق. أنا أنتظر نهايته.

كان روبرت، خليل إبراهيم أوراها، في التاسعة والعشرين. وُلد عام 1958 في قرية ارادن التابعة لناحية سرسنك في قضاء العمادية بمحافظة دهوك، لعائلةٍ كان الانتماء فيها يُورَث كما يُورَث الاسم. عمل أبوه في البصرة، واستشهد عام 1963 ولم يكن خليل قد تجاوز الخامسة. وكانت أمه، الرفيقة ماري داود، أم خليل، عضواً في اللجنة المحلية للموصل، ومندوبةً إلى المؤتمر الوطني الثاني للحزب عام 1976. هكذا كبر الصبي بين صورة أبٍ غائب وصوتِ أمٍّ لا تنحني.

انتمى إلى الحزب عام 1979، وتخرّج في كلية الفنون الجميلة بجامعة الموصل، ونشط في صفوف اتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي. ثم صعد إلى جبال كردستان في بهدينان نصيراً في تشرين الثاني 1982، وشارك في عددٍ من العمليات العسكرية. وفي الجبل لم يترك المسرح، بل حمله معه كما يحمل النصير زاده. كتب وأخرج مسرحياتٍ عدة، منها (الدكتاتور) و(المدينة) و(القفص)، وشارك في أعمالٍ أخرى. وكان الرفاق يقولون إنه الوحيد القادر على أن يحوّل كهفاً إلى خشبة مسرح، وليلةً باردة إلى عرضٍ أول. وكان يحب القراءة والموسيقى حباً لا يقلّ عن حبه للسينما. وحين سأله رفيقٌ جديد ملتحق ذات مرة لماذا تركت الفن وحملت السلاح؟ أجابه لم أترك شيئاً. هناك مسرحيات تُكتب على الورق، وأخرى تُكتب على الأرض.

كان أبو نصير يصغي من طرف الحلقة، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي يعرفها رفاقه جيداً. هي ابتسامة رجلٍ يحب أن يرى الشباب يضحكون قبل المعركة، لأنه يعرف كم تحتاج القلوب إلى الضحك في ليلةٍ كهذه. كان في السابعة والثلاثين، لكن الجبل عرفه منذ الثامنة عشرة. ففي عام 1968، حين انضم إلى الحزب والتحق بفصائل الأنصار في قاعدة بيرموز، كان أصغر نصيرٍ فيها. كان فتىً عاملاً من قرية عين بقرة، يحمل بندقيةً تكاد تكون أثقل من سنواته القليلة. ومنذ ذلك اليوم لم يفارقه أمران شجاعةٌ تسبق خطوته، ومحبةُ الناس له في كل قريةٍ نزل فيها.

وفي عام 1979، حين أطبقت السلطة قبضتها على الشيوعيين، اعتُقل ثم أُطلق سراحه. لكنّ الإفراج لم يكن نهاية الطريق، بل استراحةً قصيرة فيه. ففي عام 1982 عاد إلى الجبل، وفي عام 1983 صار آمر فصيل، وفي عام 1985 غدا آمر سرية الرابعة في الفوج الأول بقاطع بهدينان. خطّط لعملياتٍ كثيرة وقادها، ودفع ثمنها من أحبّ الناس إليه. اعتقلت السلطة زوجته وأطفاله، وفي معتقل الموصل وُلد أحد أبنائه، فكان أول ما رأته عيناه من الدنيا جدران زنزانة. وحين خرجت العائلة من المعتقل لم تعد إلى البيت، بل صعدت إلى حيث كان الأب، والتحقت بفصائل الأنصار. وحين انطفأت النار وتفرّق الرفاق، مرّ أبو نصير بالمكان الذي تنام فيه عائلته. لم يوقظ أحداً. وقف لحظةً طويلة عند الصغير، ذاك الذي وُلد خلف القضبان، ومسح بإصبعه على جبينه. ثم خرج يتفقّد الحرس، كأن الليل كله أمانةٌ في عنقه.

الربايا الأربع: في الثالث والعشرين من تموز 1987، نزلت السريتان الرابعة والثانية من الجبل إلى السهل. كان الحصاد قد انتهى، والحقول المحصودة تزفر في العتمة ما اختزنته من حرّ النهار. وعلى البعد كانت أضواء الربايا الأربع تلمع كجمراتٍ صغيرة حول القرية النائمة. مشى الأنصار في صمتٍ طويل، لا يُسمع منهم إلا خشخشة الأقدام على بقايا السنابل، وكلٌّ منهم يعرف مكانه ودوره والربيئة التي يقصدها. وقبل أن يتفرقوا، جمع أبو نصير رجاله لحظةً أخيرة. لم يُلقِ خطبة، فلم يكن من أهل الخطب. قال فقط الربايا هدفنا. من يرفع السلاح في وجهنا نردّ عليه، ومن يلزم بيته فبيته حرامٌ علينا. ولا أحد يعود وحده نعود معاً.

ثم التفت إلى روبرت، وفي عينيه شيءٌ بين المزاح والجدّ وأنت يا أستاذ المسرح، لا أريد بطولات. هذا ليس فيلماً. فابتسم روبرت أعرف يا أبو نصير. هنا لا يُعاد تصوير المشهد. ثم جاءت الإشارة. انشقّ سكون السهل دفعةً واحدة، وانهمر الرصاص فوق شيخه كمطرٍ من حديد. تقدّم الأنصار نحو الربايا، يزحفون حيث ينبغي الزحف، ويندفعون حيث لا ينفع إلا الاندفاع. وكانت الورقة المرسومة بقلم الرصاص قد صارت خريطةً محفورةً في رؤوسهم هنا ربيئة، وهنا بيتٌ قد تأتي منه النار، وهنا بيوتٌ يجب أن تبقى آمنة مهما اشتد الضجيج. وخلف النوافذ المطفأة، كانت أمهاتٌ في شيخه يضممن أطفالهن إلى صدورهن ويهمسن بصلواتٍ خائفة. ولم تكن تلك البيوت هدفاً لأحد.

مرّت ساعة، ثم ثانية، ثم ثالثة. سقطت ربيئة، وتبعتها أخرى، ثم تهاوت الثالثة فالرابعة. وحين تجاوز القتال ساعاته الثلاث، كانت الربايا التي أرهبت السهل طويلاً قد خمدت، بعد أن اكتسحها الأنصار جميعاً. كانت عمليةً بطولية بكل ما في الكلمة من معنى. ووقف الرجال يلتقطون أنفاسهم، لا يكادون يصدقون أن المعركة انتهت بهذه السرعة، وبهذا البطء، في الوقت ذاته.

نعود معاً: بدأ الانسحاب نحو الجبل. كان الفجر يتلمّس حافة السماء، وفي الأفق انتصب جبل القوش داكناً، يحمل في صدر صخره دير الربان هرمزد. واسم الدير يكاد يطابق اسم الرجل الذي يقود السرية، كأنّ الجبل يعرفه وينتظر عودته. كانوا قد ابتعدوا عن القرية حين جاءت الرصاصة من العتمة. توقف روبرت فجأة، كمن تذكّر جملةً نسيها في نصٍّ لم يكتمل. ثم انحنى ببطءٍ على ركبتيه، وسقط على ترابٍ ما يزال دافئاً من شمس الأمس. وارتفع صوتٌ في الرتل روبرت! سقط روبرت! كان أبو نصير قد تقدّم رجاله بخطوات، فالتفت. رأى المكان المكشوف، ورأى الجسد الملقى على التراب، ورأى في عيون رجاله سؤالاً لا يحتاج إلى كلمات. صاح به أحدهم أبو نصير! المكان مكشوف! فأجاب وهو يعود أدراجه قلت لكم نعود معاً.

عاد آمر السرية، الرجل الذي خطط للمعركة وقادها وخرج منها منتصراً، إلى المكان الذي ضرب فيه الموت قبل لحظات. زحف نحو جسد رفيقه، وحين بلغه أمسك به من كتفيه، وراح يسحبه شبراً بعد شبر نحو رفاقه، كي لا يبقى وحيداً في العراء. ولم يُكمل. جاءت رصاصةٌ أخرى، فسقط أبو نصير إلى جوار روبرت، ويده ما تزال على كتفه، كأنه يقول له ألم أقل لك؟ نعود معاً. وأصيب في تلك الليلة نصيران آخران، أبو فاتن وأبو آيار، بجروحٍ طفيفة ضمّدها الرفاق على عجل. ثم واصل الأنصار طريقهم إلى الجبل، يحملون نصراً مثقلاً بالحزن. كانوا يعرفون أن الجبل الذي ودّعهم في المساء كاملين، سيستقبلهم في الصباح ناقصين رجلين.

الستارة: في مكانٍ ما، كانت أمٌّ شيوعية اسمها ماري داود تتلقى، للمرة الثانية في حياتها، خبراً لا ينبغي لامرأةٍ أن تتلقاه ولو مرة. في عام 1963 كان الخبر عن زوجها، وفي عام 1987 صار عن ابنها. أما عائلة أبو نصير فلم يمهلها النظام طويلاً الزوجة التي دفعت ثمن شجاعته سجناً، والأطفال الذين تبعوا أباهم إلى الجبل، والصغير الذي وُلد في معتقل الموصل. في العام التالي، في حملة الأنفال سيئة الصيت، اعتُقلت العائلة مرةً أخرى، لكنها هذه المرة لم تخرج. أُعدم أفرادها، ودُفنوا في المقابر الجماعية، شأنهم شأن عشرات الآلاف من ضحايا تلك الحملة. ولم يعش أبو نصير ليعرف ما حلّ بهم، ولعلّ تلك كانت رحمته الوحيدة.

مرّت السنوات، وسقط الدكتاتور، لا دكتاتور المسرحية، بل دكتاتور الواقع، بعد ستة عشر عاماً من تلك الليلة. لم يعش روبرت ليرى النهاية التي قال إنه ينتظرها، لكنّ الحكاية بقيت. في المسرح، حين تنتهي المسرحية، تُسدل الستارة ويغادر الممثلون وتنطفئ الأضواء. أما في شيخه، في ذلك الفجر من تموز، فقد أُسدلت الستارة على الربايا الأربع، ولم تُسدل على الرجلين. ما زال روبرت هناك، على التراب الدافئ، يروي فيلمه الأخير لمن يصغي. وما زال أبو نصير عائداً إليه شبراً بعد شبر، لأنه وعد رفاقه بشيءٍ واحد، ووفى به على طريقته أن يعودوا معاً.

إهداء

إلى روحَي الشهيدين هرمز خوشابا هرمز (أبو نصير) وخليل إبراهيم أوراها (روبرت)، وإلى عائلة أبي نصير التي غيّبتها المقابر الجماعية، وإلى كل الأنصار الذين عادوا والذين لم يعودوا.