أخبرني أحد أصدقائي من قرية كفركي أنه التقى يوم أمس في أحد مطاعم دهوك (عابد سواري). صوّره لي، لمعرفته موقع هذا الرجل بالنسبة لي، ألا يكفي أني وضعت فصلاً من فصول رواية (حصار العنكبوت) باسم هذا الفلاح. كان مقاتلاً في فوجنا، هو وعائلته الكبيرة برجالها ونساءها وأطفالها.

((..... مع اختفاء آخر الأرغفة وآخر قطع الجبن الكوردي (الكشك)، ولَّى الرجال والنساء وجوههم شطر الجبل وصخوره، باحثين هنا وهناك، بين الحشائش والأحراش، عن ما يجود به الجبل من ثمار. لم يبخل الجبل على مجاوريه. كانت ثمار (الفُطر) منتشرة في كل مكان على السفوح وبين الصخور، وهي بحاجة فقط إلى من يستطيع التمييز بين السام منها وغير السام. الفروق تكاد لا تبين بين النوعين إلا للعين المجربة. كذلك هناك نبات (الخبيز)، والثوم البري، و(الكعوب) المحمي بدرع أشواكه. هكذا بدت الحياة قادرة لأن تختط لنفسها نسقها الجديد.

في اليوم السادس للحصار، تفتقت قريحة شبح الجوع وبعد الحصول على حرية الحركة، على فكرة بدت هائلة، التوجه إلى قطعان الماعز السارحة في ربوع السفوح على غير هدى وبلا راع. في الحقيقة هي قطعان هؤلاء القرويين المحاصرين. لتبدأ مع هذا الاكتشاف الحياة الجديدة بثلاث وجبات لحم مشوي غير مملح. بدا هذا الاكتشاف نوعاً من حل لمعضلة الجوع، أشاع في أيامه الأولى شيئاً من الاسترخاء بعيداً عن التوترات التي يفرزها الجوع على السلوك البشري.

وانسجاماً مع العادة اللحمية الجديدة، ظهر أن عابد النصير الفلاح من قرية (سواري)، كان يقطر خلفه طيلة تلك الأيام بقرة كبيرة مع عجلها. حين تخلى الناس في مسيراتهم الطويلة المنهكة حتى عن البطانيات التي تقيهم شر البرد الليلي وعن مؤنهم وحليب أطفالهم، فأن عابد لم يتخل عن بقرته وعجلها الجميل. لم يتململ ولم يتعب رغم أن البقرة ليست كالبغل. البغل يحملك إن تعبتَ لكن البقرة عليك أنت أن تحملها إن تعَبت، كما هي لا تشبه الماعز بقدرته على تسلق السفوح والقطوع. رغم كل تلك العواقب الوخيمة التي تحملها الرجل بصبر وأناة أوصل بقرته إلى حيث وصل. لكنه اليوم وهو يرى إلى انتشار العادة اللحمية وافتراس قطعان الفلاحين الهائمة في سفوح الجبل، أعلن وبصوت منكسر حزين وكأنه يريد أن يبكي:

- رفاق. البقرة وعجلها لكم. أذبحوها. أسلخوها. افعلوا بها ما تشاءون، فقط أعفوني من رؤيتها وهي تذبح.

اقتنع الرجل أخيراً بجدية ما ينتظره وعائلته من أخطار لا تنفع لدرءها كل أبقار العالم. ما أن نطق عابد بأمر الذبح، حتى تحول ذلك الجسد الهائل، وخلال وقت قصير نسبياً، إلى قطع صغيرة وجدت طريقها إلى الجميع بما فيهم سكان قرية العوائل. لا أحد يدري من أين وكيف خرجت سكاكين الذبح، كان لأمر يخص بقرة مع عجلها وليس ماعزاً صغيراً يتمرد حينا ليهمد أخيراً. قيل حينها أن عابد لم يذق لحم بقرته، وتعرض إلى آلام مبرحة كانت السبب فيها زوجته الميالة أصلاً للنكتة، لم تهدأ طيلة الفترة التي استغرقها طبخ حصتهم من البقرة في علبة السمن الكبيرة التي اُتخذت بمثابة قدر، وهي تردد النكات والقفشات بحق زوجها وعلاقته بالبقرة. حتى أن من يسمعها، سيظن أنها تتحدث عن امرأة أخرى، كانت شريكة لها في زوجها وتخلصت منها أخيراً. لم يتحمل الرجل المزيد، حمل سلاحه وعدة تبغه واختفى بين صخور الجبل تاركاً أياهم يتناهشون لحم بقرته وعجلها.

النصير الشيوعي، العدد 50 السنة الخامسة، أيلول 2026