في زحام المذكرات الحزبية التي تضج بأسماء القادة والمنظرين، يبرز اسم "حمه يوسف" كأيقونة منسية، سقطت من ذاكرة الورق وبقيت محفورة في وجدان الصخور بقلعة دزة و ناوزنك ولولان وسيدكان. كان ذاك الشيوعي العتيق، الذي لم يطلب من الدنيا جاهاً، بل اكتفى بحماية خطوات "الأنصار" وحوافر خيولهم في دروب الجبال الوعرة.
من قلعة دزة إلى خلود "كوكب حمزة"
حمه يوسف لم يكن مجرد مقاتل؛ كان روحاً كادحة من طينة كردستان الساطعة. كان من أوائل الذين وضعوا مداميك القواعد الأنصارية بعد انكسار الجبهة مع البعث. ورغم أن التاريخ الرسمي للحزب قد يغفل ذكره غالبا، إلا أن الفن العراقي الأصيل أنصفه؛ ففي موسكو، مطلع الثمانينيات، جعل الملحن الراحل كوكب حمزة من اسم "حمه يوسف" نشيداً أمميا: *"حمه يوسف ما نطانه.. لا البغل لا الكرتانة"*.
لم تكن الأغنية مجرد دعابة، بل توثيقاً لأمانة رجل استأمنه الحزب على "زريبة البغال" – شريان الحياة في حرب الجبال – فكان يذود عن حقوق تلك الحيوانات المظلومة كما يذود عن رفاقه.
جرح الأب الصامت
خلف ملامحه المتعبة، كان حمه يحمل جرحاً لا يندمل؛ فقد ابنه الوحيد بنيران صديقة في كمين للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. رحل الابن في حادثة وُصفت بـ "الخطأ"، فابتلع الأب غصته صمتاً، وفاءً للقضية وحفاظاً على وحدة الصف، مستمراً في نضاله وكأنه يربي في كل شاب من الأنصار ابناً بديلاً.
المواجهة: حين انتصرت الفطرة على "الدوغمائية"
في "سرية لولان"، تصادمت روح حمه يوسف الإنسانية مع صرامة الحزبية المتصلبة التي يمثلها القيادي القاضي "أبو أسيل". كانت البغال تسير شبه حافية، تدمي حوافرها صخور الجبال، بينما كان المسؤول يرى في إصلاح حدواتها "أمراً ثانوياً" يمكن تأجيله.
هنا، لم يتسلح حمه يوسف الأمّي بكتب الماركسية، بل بسلاحه الفطري، حين سأل "أبو أسيل" سؤالاً هزّ أركان غروره:
"أتتحمل أنت أن تتمشى حافياً في هذه الوعورة شهراً كاملاً؟"
كانت تلك الكلمات هي "البيان السياسي" الأصدق؛ فالمناضل الذي لا يشعر بألم الكائنات التي تخدمه، لا يمكنه أن يحقق شيئا من أهداف حزبه. وأمام هذا المنطق الأخلاقي، سقطت كل "الصلاحيات الواسعة"، وانتصرت "رحمة" حمه يوسف على "بيروقراطية" القيادة.
الرحمة لروح حمه يوسف، الكادح الذي علّمنا أن الثورة تبدأ من العطف على المظلومين، بشراً كانوا أو خيولاً.