هناك حكايات لا تُروى من الذاكرة فحسب، بل تخرج من أعماقها مثقلةً بما تركته السنوات من ندوب. حكاية أم داود واحدة من تلك الرحلات التي بدأت بحلم، مرّت بمحطات قاسية، ثم انتهت إلى سؤال ظلّ مفتوحًا في الذاكرة: ماذا يبقى من الأحلام حين تصطدم بواقع الهروب والخيبة والمنفى؟
في حديثها، تستعيد نجلة تفاصيل رحلة طويلة بدأت من العراق، مرورًا ببلدان عدة، وصولًا إلى كردستان، حيث وجدت نفسها في مواجهة قسوة الجغرافيا، صعوبة الحياة، ثقل الحمل، ثم رحلة نجاة محفوفة بالموت عبر الحدود. وبين محطة وأخرى، تروي قصة حب وُلدت بعيدًا عن الوطن، جمعتها بسلمان، الذي أصبح لاحقًا «أبا داود» ورفيق حياتها.
كيف خرجتِ من العراق؟ ولماذا؟
ابتسمت ابتسامة مريرة، تختزن ألمًا عميقًا، ثم قالت: "أنحدر أساسًا من عائلة تحمل أفكارًا تقدمية، رغم أن أفرادها لم يمارسوا السياسة في حياتهم. بعد ثورة 14 تموز، انتشرت الأفكار التقدمية والشيوعية، خصوصًا بين المثقفين، ونحن من بين الذين وصلت إليهم تلك الرؤى. في أعقاب انقلاب شباط الأسود، زارت عائلتي عددًا من الأسر الشيوعية، التي اضطرتها الظروف إلى القدوم للموصل للاطمئنان على أبنائها القابعين في سجونها. من خلال تلك الزيارات، تسربت إلينا بعض المفاهيم الشيوعية، متواريةً في ثنايا الأحاديث المتداولة، لتتشكّل في وعينا تحت وطأة ما يجري حولنا.
عشت أحداثًا سياسية كثيرة منذ طفولتي، لكن تلك الأفكار تبلورت بصورة أوضح خلال الأعوام الأولى من دراستي الجامعية في الموصل. هناك دخلت معترك السياسة، تعرفت إلى المجموعات اليسارية والشيوعية، ثم انتميت إلى الحزب الشيوعي، ونشطت فيه بفاعلية.
بعد تخرجي في اختصاص الجيولوجيا، توظفت في مشروع سد حديثة بمدينة الرمادي. لم تمضِ سوى أقل من شهرين حتى وقعت الحادثة التي غيّرت مسار حياتي.
في أحد أيام الخميس، عدت من الحقل إلى المكتب، فأخبرني مسؤول أمن المشروع، وهو رجل كبير في السن: "الأمن يبحث عنك، لكنني أخبرتهم ، باني سأبلغك بالأمر عند عودتك يوم السبت"!
فهمت الرسالة فورًا: اذهبي ولا تعودي أبداً.
لقد أنقذ ذلك الرجل حياتي؛ فلو أراد إيذائي لأرسل رجال الأمن إلى الحقل. غادرت مباشرة إلى بغداد، ولم أعد إلى الموصل إلا بعد سنوات طويلة.
لم يتوقف الأمن عن البحث عني. ذهبوا إلى منزلنا، الأمر الذي دفع والديّ إلى حمل أغراضهما المهمة والانتقال إلى كركوك عند أخي.
بعد ذلك، وفي غضون أسبوع، حصلت على جواز سفر بمساعدة والدي الذي جاء إلى بغداد لهذا الغرض. غادرت العراق بحقيبة تكاد تكون فارغة، لم تحمل سوى بعض الملابس الضرورية".
صمتت للحظة، وكأن الذكريات أثقلت كلماتها، ثم تابعت بصوت هادئ تغلب عليه الأسى: "كانت الخطوة الأولى في منعطفات حياتي هي الشام. بعد الاتصال بالحزب، تلقينا تعليمات بالتواصل مع المنظمات الفلسطينية. انتقلت بعد فترة إلى بلغاريا، ثم غادرت إلى اليمن، حيث مكثت ستة أشهر. لاحقًا حصلت على بعثة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي سابقًا لنيل شهادة الدكتوراه في اختصاصي.
لم يكن هذا طموحي الحقيقي؛ فالأمل في العودة إلى الوطن ظل حاضرًا في داخلي. حين رفع الحزب شعار الكفاح المسلح، تركت الدراسة من دون تردد، وعدت إلى سوريا، ثم إلى القامشلي، ومنها إلى كردستان".
رؤيا العودة إلى الوطن.. كيف تحققت؟
نظرت إليّ مباشرة، ثم حدقت في الفراغ، كأنها تستعيد مشهدًا بعيدًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتها. بعد لحظات، عادت إلى الحاضر وقالت: " في السنة الثانية من دراستي الجامعية، قدمت للحزب طلبًا للعودة إلى كردستان. مثّلت منطقة كلي كوماتة أولى محطاتي، ذلك المكان الموحش، على ما أذكر! وصلنا إلى هناك في تشرين الأول عام 1981. مكثت مع فصيل الرفيقات. ومع مرور الأيام، ازدادت صعوبة التأقلم، وحدثت لنا بعض المشاكل مع رفاق القيادة، الأمر الذي ترك أثرًا كبيرًا في نفوسنا.
في تلك الفترة شعرت بأعراض الحمل. لذا قررت الخروج من كردستان، فلم تكن لدي رغبة في أن ألد طفلًا وأربيه وسط تلك الظروف القاسية. حاولت المغادرة، لكنهم رفضوا!
تعقدت الأمور أكثر مع الرفاق. هناك مواقف كثيرة مؤلمة لا مجال لذكرها".
برقت عيناها بظلال ليالٍ حزينة، كأنهما مرآتان لعالم داخلي يعج بالصراعات.
ثم أضافت: «أخيرًا وافقوا. ذهبنا إلى منطقة سوران على أساس أنهم سيساعدوننا على الخروج من كردستان. مشيت قرابة أسبوع كامل، وأنا حامل في الأشهر الأولى.
عندما وصلنا، كنا نأمل في الرحيل، لكننا أُبلغنا برفض الطلب بحجة صعوبة الطريق، رغم أن إحدى الرفيقات خرجت من المنفذ نفسه قبل أيام من وصولي.
بعد بضعة أيام، عدنا إلى بهدنان عبر الطريق ذاته المحفوف بالمخاطر ما أن قدمنا إلى المقر حتى نُقلنا مباشرة إلى يك مالة.
وجدنا أنفسنا في موقف لا نحسد عليه. واجهت صعوبة كبيرة، وحتى اليوم لا أعرف سبب ذلك الموقف تجاهنا. ربما تعود الأسباب إلى الأجواء المغلقة، أو تعقيدات الحياة الاجتماعية، أو سلطة القيادة المتزمتة التي تملك القرار. بلا شك، نحن من اخترنا خوض تجربة حمل السلاح ضد الدكتاتورية، لذلك حين نقرر المغادرة يفترض أن يكون القرار لنا أيضًا! لكن للأسف، لم يكن هذا المفهوم سائدًا".
طفلة تولد وسط الخطر
توقفت قليلًا، ثم قالت: "ولدت ابنتي ماريا، كما وُلد أطفال آخرون لرفيقاتنا. وبعد نحو ثمانية أشهر، وردت أنباء عن الاجتياح التركي. مع تصاعد الخطر، إلى جانب الخوف من المسؤولية التي قد تقع عليهم، قررت القيادة إجلاء العائلات".
يكبو الإنسان مرة، لكنه يواصل السير حتى فوق دروب القلق والتوجس.
تابعت:" تحركنا ضمن مفرزة كبيرة، برفقة أمهات يحملن أطفالهن الرضع، إضافة إلى جرحى ومرضى. سلكنا طريق تركيا.
خلال الرحلة، اضطررنا إلى المبيت في قرى كردية داخل تركيا لدى أناس لا تربطنا بهم معرفة سابقة. هؤلاء كانوا يخشون قوات الجندرمة، لذلك أغلقوا الأبواب والنوافذ وأطفأوا الأنوار، حرصًا على ألا يكتشف أحد ما وجود غرباء في منازلهم.
من أكثر المواقف التي لا أنساها، أننا كنا ثلاث أمهات مع أطفالنا في سيارة أجرة برفقة الدليل. لم تكن أيٌّ منا تتقن الكردية أو التركية.
فجأة أوقفت الجندرمة السيارة، موجهة فوهات رشاشاتها نحونا. ثم صعد أحد أفرادها إلى جانب الدليل.
خيّم علينا صمت ثقيل، تتنازعه الظنون والمخاوف من انكشاف أمرنا. بدأ الأطفال بالبكاء، بينما لم نفهم كلمة واحدة مما يدور حولنا، خوفًا من أن يؤدي أي حديث إلى افتضاح حقيقتنا.
مرت دقائق بدت كأنها دهر كامل، قبل أن يتضح أنهم كانوا يطاردون أشخاصًا آخرين لا علاقة لهم بنا".
بين الموت والنجاة
تواصل نجلة روايتها:
"اجتمعنا مع الرفاق في منطقة قريبة من الشارع المبلط الذي يفصل تركيا عن سوريا، بانتظار تبديل الحرس حتى يتسنى لنا العبور. انكمشنا متوارين تحت ربوة يتخذها العساكر موقعًا لحراسة الشارع. لكن الحظ لم يحالفنا؛ إذ لم يتغير الحرس في ذلك اليوم!
مكثنا نراقب الحارس فوق الرابية، يتحرك ويلتفت يمينًا ويسارًا، خصوصًا عندما يداهم السعال الرفاق المدخنين. كان يسمع أصواتنا من دون أن يرانا، ولم نكن نعرف متى يمكن أن يكتشف مخبأنا".
امتدت الظلال، تكاثفت العتمة، حتى بدأ الفجر ينسل بهدوء من بين خيوط الليل المتلاشية، معلنًا ميلاد يوم جديد.
عندها أمرنا الدليل بالعبور، مهما بدت الصعاب. أغلقت أمامنا سُبل العودة. إذا انبلج الصباح وانكشفنا للجندرمة، فقد يقتل الجميع برشقة من رشاشاتهم. أما إذا اجتزنا الشارع، فإما أن ننجو أو نموت. لم يعد هناك مجال سوى المجازفة، مهما تكن النتائج. أمرنا الدليل بالركض السريع، عبر معظم الرفاق، بينما كنت أنا وسلمان في مؤخرة المفرزة، الذي حمل طفلتنا على ظهره.
قطعت الشارع بأقصى سرعة. وما إن حاول سلمان تجاوزه حتى وصلت الدبابات. ورغم أنه إنسان هادئ وبطيء الحركة، لكنــه قفز هذه المرة عبر الشارع بسرعة خاطفة.
دخلنا الأحراش التي تغطي الجهة الأخرى. في تلك اللحظة بالذات دوّت طلقات الرشاشات، ليرد عليهم المسلحون المتواجدون بالمنطقة، أستمر إطلاق النار فترة لم تدم طويلًا.
بعد أن ساد الهدوء، دخلنا إلى قرية سورية حدودية لنستريح قليلًا ونلتقط أنفاسنا، قبل أن نستقل السيارات باتجاه القامشلي، ثم إلى الشام».
سلمان.. صداقة تحولت إلى حياة
تعود نجلة إلى حكاية أخرى ارتبطت بتلك السنوات، حكاية بدأت بالصداقة وانتهت بالزواج:
"كنت قد تزوجت من سلمان، أبي داود، بعد أن التقينا في بلغاريا، ثم اليمن، حيث سافرنا على الطائرة نفسها، وعملنا معًا في مجال المياه الجوفية. هوخريج هندسة النفط، وبما أن اختصاصاتنا متقاربة، حصلنا معًا على الزمالة الدراسية إلى باكو، عاصمة أذربيجان.
كنا نقضي معظم أوقاتنا معًا؛ نذهب إلى المجموعة نفسها، نتلقى الدروس لدى المعلمة ذاتها. في البداية اتسمت علاقتنا بطابع الصداقة لا أكثر. لم يخطر ببالي أنها ستتطور إلى علاقة تجمعنا مدى الحياة. تزوجنا في دمشق قبل العودة إلى الوطن".
حلمنا بالتغيير.. لكن ظننا خاب
تحولت ابتسامتها إلى كآبة، تنهدت طويلًا، وطاف في عينيها ظل قاتم. ثم قالت كلماتها الأخيرة:
" إبان ذهبنا إلى كردستان، حلمنا بالتغيير وإنهاء الدكتاتورية. كنا نأمل بأن شيئًا جديدًا يمكن أن يولد من تلك المعاناة. لكن للأسف.. خاب ظننا"!
انتهت الكلمات، غير أن الصمت الذي أعقبها بدا أبلغ من كل ما قيل. فقد رافقت رحلة نجلة (أم داود) الكثير من الأحلام، إلا انها أيضا دفعت ثمنًا باهظًا: وطنًا غادرته قسرًا، سنواتٍ من الترحال، تجربةً قاسية في كردستان، طفلةً ولدت وسط الخطر، ثم حلمًا سياسيًا لم يصل إلى نهايته التي تمنتها!