كان هواء الصباح هذا الأسبوع باردا. في تلك البرودة، أجدني أستعيد الأماكن التي عبرتها: طائرات وحافلات وسيارات أجرة، آفاق حدّقتُ فيها عند الغسق، وكلمات تركتُها على صفحات دفتري. يعلو فوقي أثر دخانٍ خفيف، وتصلني همسات بعيدة تشدّني بلطف، كصوت مألوف، كنغمة أعرفها جيداً، تصدر من مكان ما.

قبل عامين تقريباً، وقبل أشهر من مغادرتي لندن لأول مرة، جلستُ مع والديّ في حانة قرب جسر لندن، بعد ظهر يوم سبت. أخبرتهما عن الأحلام التي شعرتُ أخيراً بالشجاعة الكافية لأتبعها: مخيّم ركوب أمواج في نيكاراغوا يبحث عن مدرّسة يوغا، استقالة من عمل كان يستنزفني، وغرفة أبحث عمّن يرثها بعدي في الشقة التي كنت أسمّيها بيتاً. جاء ردّهما دافئاً، على نحو غير متوقّع ربما، من شخصين وسمتهما ندوب النجاة، تلك التي يظنّ بعضهم أنّ شفاءها لا يتحقق إلا بنجاح الأبناء المادّي.

انزلق الحديث إلى العائلة والشباب، ثم توقّف بهدوء عند عتبة الذاكرة. تحدّثنا عن شقيق والدي، عمّي سمير.

سمير، الذي كان اسمه المفضّل دائماً «صابرينا»، وكيف صار هذا الاسم اسمي. سمير، الذي جاب العالم، وكان يمكن لروحه أن تقوده أبعد بكثير، لولا أنّه قُتل، وهو في التاسعة والعشرين من عمره. العمر الذي أعيشه الآن. قُتل، وهو يقاتل مع قوات البيشمركة في كردستان.

في الأسابيع التي تلت ذلك الحديث، لم يغادرني سمير. ظلّ السؤال الفارق بين حياتي وحياة من سبقوني يلحّ عليّ. تغيّرت المسارات، وتحركت الأهداف، ولم أعد مطالبة بالبقاء فقط، كما كان حالهم، بل بتحقيق ذاتي. وعندما خرجتُ إلى العالم العام الماضي، في رحلة السفر والتجربة والبحث عن الفرح، شعرتُ بثقل الدم على كتفيّ.

جلستُ أمام دفتر فارغ وبدأتُ أكتب. كانت الكلمات خريطة.

ماذا أبحث عنه؟ لماذا أنا هنا؟ ما الذي في هذه الحركة الدائمة، حياة حقيبة الظهر، والغرف المشتركة، والرفقة العابرة للحدود، يجعلني، ويجعل كثيرين غيري، أكثر ليونة؟.

عن السفر، تعلّمتُ هذا:

ستلتقي بأشخاص يشعرون باللغة نفسها التي تشعر بها. نظرة واحدة تكفي ليضحك الجسد من الداخل. يومان من الصحبة قد يبدوان كأنهما سنوات. هناك خفّة تشبه الشباب، إيمان عميق بأن كل شيء على ما يرام، وأنك ستصل حيث ينبغي لك أن تكون.

لكنّ الوحدة حاضرة أيضاً. يتمدّد الوقت أمامك بلا رحمة، وتبدأ الأسئلة: هل هذا ما أردته حقاً؟ هل تقف قدماك على أرض ثابتة؟ ستستلقي في سرير نُزل، محاطاً بغرباء، مع علّة ما، ربما في القلب، أو من ماءٍ لم يكن صالحاً، وتدرك أنّك وحدك المسؤول عن نفسك.

في المنتصف، توجد السكينة. سعف نخيل يلمع بهدوء في الريح والشمس. وجبات ساخنة تأكلها وحيداً، ومشروبات باردة مع أناس طيّبين من كل مكان، يشعرون بما تشعر به.

هناك، تأتي الإجابة. ترى العائلة خلف جفونك، ويتحوّل معنى الوطن. أيّام الشمس تفتح الطريق لهذه الحرية، لهذا الفرح الذي يكبر كل يوم. في اللحظات الصامتة، يعود ذهنك إلى السنوات الماضية. تمتصّ هذا اللطف، وتتذكّر المشاعر كلّها.. الجيّدة والسيّئة. تحزم حقيبتك من جديد، وتدخل غرفة أخرى مليئة بالأمل والتيه: عشرة أسرّة، وأغراض مبعثرة، والأسئلة ذاتها.. إلى متى؟ من أين جئت؟ وفي العمق دائماً: من أنت؟

أنت في حركة دائمة، كالماء. تحمل قلب العائلة، والفقد. تريد فرحاً أكثر. وستجده هنا.

*سمير عبد الحسين (أبو صابرين) استشهد في الأول من أيار 1983 خلال معارك “بشتاشان".

النصير الشيوعي، العدد 51 السنة الخامسة، تشرين الاول 2026