يُعدّ الأديب والروائي سمير نقاش واحداً من أبرز الأصوات السردية العراقية التي حملت همَّ الذاكرة والمنفى معاً. وُلد في بغداد عام 1938 لأسرة يهودية عراقية، في مدينةٍ كانت آنذاك تعيش تعدديتها الثقافية والدينية بوصفها جزءاً طبيعياً من نسيجها الاجتماعي. هناك تشكّلت ملامح وعيه الأول، وتكوّنت ذاكرته التي ستظل لاحقاً محور مشروعه الروائي.
في طفولته شهد تحوّلاتٍ سياسية واجتماعية عصفت بالعراق، وكان من بينها موجة هجرة اليهود العراقيين في أوائل الخمسينيات. غادر سمير نقاش العراق مع أسرته إلى إسرائيل عام 1951، لكنه لم يغادره في وجدانه. ظلّت بغداد مدينته الأولى، والفضاء الذي تتنفس فيه شخصياته، واللغة العربية بيته الإبداعي الذي أصرّ على السكن فيه رغم محيطٍ لغوي مختلف.
اختار أن يكتب بالعربية في مجتمعٍ كان يميل إلى العبرية، وهو اختيار لم يكن أدبياً فحسب، بل موقفاً ثقافياً وهويوياً. ظلّ يرى نفسه كاتباً عراقياً، واعتبر أن تجربته الروائية امتدادٌ لذاكرةٍ لم تنقطع، وإن انقطعت الجغرافيا. وفي هذا الإصرار تكمن فرادة نقاش؛ إذ جمع بين الانتماءين القاسيين: انتماءٍ إلى وطنٍ غادره قسراً، وانتماءٍ إلى لغةٍ لم يتخلَّ عنها رغم العزلة.
تميّزت أعماله بسردٍ كثيف، غنيّ بالتفاصيل، يمزج بين الواقعي والأسطوري، ويستعيد أحياء بغداد القديمة، وشخصياتها الشعبية، وصراعاتها اليومية. من أبرز رواياته نزول وخيط الشيطان وشلومو الكردي وأنا والزمن، حيث تتجلّى قدرة الكاتب على بناء عوالم متشابكة تعكس قلق الهوية وتمزّق الذاكرة.
في أعماله، لا يبدو المنفى مجرد مكانٍ آخر، بل حالةٌ نفسية ممتدة؛ شعورٌ دائم بالاقتلاع، وحنينٌ مشوب بالألم. شخصياته غالباً ما تعيش على تخوم الاندماج، تبحث عن اعترافٍ، أو تستعيد ما فقدته عبر الحكاية. ومن خلال هذا السرد، يتحوّل الأدب إلى وسيلة مقاومة للنسيان، وإلى محاولة لترميم وطنٍ يعيش في اللغة أكثر مما يعيش في الواقع.
لم يحظَ سمير نقاش في حياته بما يستحقه من اهتمامٍ عربي، بسبب تعقيدات الجغرافيا والسياسة، لكن حضوره ظلّ ثابتاً بين القرّاء والنقاد الذين أدركوا قيمة تجربته. رحل عام 2004، غير أن إرثه بقي شاهداً على قدرة الأدب على تجاوز الحدود، وعلى أن الهوية ليست قراراً سياسياً بقدر ما هي ذاكرةٌ حيّة.
إن الحديث عن سمير نقاش هو حديثٌ عن كاتبٍ ظلّ وفيّاً لبغداد حتى وهو بعيد عنها، وعن روائيٍّ جعل من المنفى مادةً للسرد، ومن اللغة جسراً بين زمنين. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول الانتماء، يبقى صوته دليلاً على أن الوطن قد يُغادَر، لكنّه لا يُمحى من الكتابة.