جلس الاولاد القرفصاء بصف نصف دائري حول شيخ الجامع كعادتهم كل مساء جمعة، ليستمعوا الى دروسه حول واجبات المؤمن أمام ربه وفي الأخلاق والفضيلة وحب عمل الخير، وكان موضوع المحاضرة "كيف تتحقق مشيئة الله" وليقرب لهم معنى كلامه وربطه بالحياة الواقعية، روى لهم القصة التالية:

ــ في يوم من الأيام كان هناك شاب فقير طيب القلب معروف ببراعته في السباحة، كان يسير وحيداً على رصيف الشارع المحاذي للنهر، الذي يقع على اطراف المدينة النابضة بالحياة، وفجأة سمع صوت قرقعة قوية اختلطت بصراخ مكتوم، إلتفت صوب مصدر الصوت فشاهد سيارة نقل ركاب صغيرة سقطت في النهر وفيها اطفال في حالة رعب يخبطون بأيديهم على زجاج نوافذها، بلا تردد رمى الشاب بنفسه الى الماء وبسرعة سباح ماهر وصل الى السيارة، فتح بابها فأندفع الماء بقوة الى داخلها، خطف بيديه القويتين أول طفل ليضعه على سقف السيارة ثم سحب الثاني والثالث وبصعوبة وصلت يديه الى الطفل الرابع.

قطع الشيخ حديثه بتنهيدة لحقتها عبارة (سبحان الله...!) وبنغمة اعجاب وتعظيم ثم واصل كلامه:

ــ وبأعجوبة يا أولادي وبأرادة الباري عزّ وجل، استطاع الشاب أن ينقذ الاطفال وينقلهم إلى بر الأمان، ثم إنتبه الشاب إلى أن السائق لم يخرج من تحت الماء، غطس بأتجاه السيارة التي استقرت في قاع النهر، دار حولها نحو جهة السائق، دمه المنتشر صبغ الماء باللون الارجواني، جثته الهامدة متشبثه بالمِقود، حرر الشاب اليدين ودفع بالجثة الى الاعلى.

رفع الشيخ كفيه قليلا ًوهو يردد: إلى رحمة الله...لا إلاه الا الله...! ثم أكمل حديثه:

ــ انتشر الخبر بين الناس وتناقلته وسائل الاعلام، أهالي الاطفال عبّـروا عن شكرهم وامتنانهم للشاب الشهم، عمدة المدينة أثنى على بطولته وقدم له وسام من الدرجة الاولى مع هدية نقدية.

أما الاطفال الاربعة يا أولادي والحمد لله على نعمته، كبروا وحققوا نجاحات باهرة في حياتهم، احدهم اصبح محامي مشهور والثاني طبيب جراح ماهر والثالث مهندس صمم أجمل البنايات أما الرابع فأصبح رجل دين له أتباع في بقاع الارض.

صمت الشيخ برهة ومسح بيده لحيته المصبوغة بالحناء وقال:

ــ شاهدتم يا أولادي كيف أن مشيئة الله عز وجل تحققت بأن بعث الشاب عند وقوع الحادث لينقذ الاطفال ثم يعيشوا حياة سعيدة.

ــ ها يا أولادي ما رأيكم بالقصة..؟

عبـّر الأولاد عن اعجابهم بالقصة وبطولة الشاب، ولكن أحدهم فاجأ الشيخ

بسؤاله:

ــ ياشيخنا، ماذا سيحدث للأطفال لو لم يكن الشاب يعرف السباحة!؟

فهم الشيخ فحوى السؤال وصرخ بوجه الصبي:

ــ أن هذه الامور لا تُـناقش!

ــ ......!؟

عبد الرضا المادح

2015.01.06