رحلت أستاذتنا وصديقتنا الكاتبة والمترجمة والصحفية لطفية الدليمي (1943 ــ 2026)، لكن الكلمات التي زرعتها في أرواح القرّاء ستبقى حيّة، تُضيء العتمة وتدلّنا
على جمال المعرفة. سنظل نقرأكِ، لأن روحكِ باقية بين السطور، تُعلّمنا أن الأدب شكلٌ آخر من الخلود.
أضع هنا نص لآخر دردشةٍ جرت بيننا في شباط 2025 ، قبل أن يشتدّ المرض وتغدو المستشفيات محطّاتها الأخيرة؛ ذكرى صغيرة لصوتٍ دافئ لن يغب عن الذاكرة.
- يوسف أبو الفوز
نهارك طيب سيدتي... ثمة كتاب اقرأ مقالاتهم مرتين، الأولى للتعرف على أفكارهم، والثانية لنتعلم شيئاً يخص أسرار الكتابة. مقالتك عن فيلم (صحوَات) دفعتني لترتيب برنامجي لمشاهدة الفيلم مرة أخرى. وللتوقف عند أسئلتك عن عجز الإنسان والخوف من الموت. لا أخفيك سيدتي، هذا السؤال يؤرقني حتى إني أتمنى لنفسي موتاً سريعاً، رغم أني أيام الكفاح تعلمت مواجهة الموت وعدم الخوف منه، ولكن مشكلتنا أننا نحب هذه الحياة / بنت الكلب / ومتعلقين بها جداً ولا نريد للعجز والموت أن يسلينا مسراتنا، والكتابة هي أحد الوسائل التي نُجابه بها كل هذا القلق والتوتر والمخاوف، ولولاها لربما أصابتنا لوثة ما. منك سيدتي
نتعلم كل مرة أشياء عميقة تشدنا لهذه الحياة. أحييك على البعد واحني كتفي تعظيماً
ــ لطفية الدليمي
سلاماً. ومودة كبيرة. أظن أننا الذين واجهنا العذابات العراقية طويلاً، نقف أمام خيارين متناقضين: فنحن نعشق الحياة عشقاً هائلاً من جانب، ونحرص على جمالياتها ومتعها الممكنة..! ومن جانب آخر لا نهرب من الموت ونتعامل معه كحقيقة يومية لا يمكن تجاهلها ونحن في خضم انشغالنا بالحياة التي نحب.
هذه المواقف لا يعرفها غير الذين عاشوا مكابدات الموت والحروب والتهجير والعوز والرفاه. واكتشفوا كنوز الجمال وعرفوا الفن وتذوقوه. أظننا كنماذج عراقية مختلفة عن السائد نحمل في أعماقنا شعلة الحياة العظيمة، بجوار بذرة الموت، ونتعايش معهما. ولهذا نجد اعترافاً متاحاً من جمالياتها، ولأنابه بالخطر. أظننا نكتب. لكننا نضاعف عشقنا للحياة. ونكتب لكي ندحض الموت الذي يستسلم له عراقيون كثر. لم يقفوا على السر العظيم كلّه. الاعتزاز. والمودة. ️
- يوسف أبو الفوز
شكراً لوقتك سيدتي، أمنيات بالصحة الطيبة والمزيد من التألق. يوماً سألني زميل فنلندي، عملنا معاً لتسعة شهور في جامعة تامبيرا في مشروع بحثي: أزور طبيباً نفسياً؟ كان سؤالاً ذكياً. تعرفين أن الأوروبي حين يموت كلبه يزور طبيبه النفسي. سؤاله جاء بعد أن اطّلع على بعض من تفاصيل من سيرتي الشخصية، التي بدت له في بعض جوانبها مثل حكايات الأفلام.
أخبرته بأنني أملك طبيبي الخاص. تعجب لأنه يعرف أن أبناء الشرق يخجلون من ذلك بل ويعتبرونه عاراً: (هل نحن مجانين لنقابل طبيباً نفسياً؟). فعاد السؤال: كيف؟ أخبرته بأن الكتابة هي طبيبي النفسي، هي علاجي الروحي الذي يمتص كل التوتر والغضب والمخاوف ويمنحني القوة والأمل. بدون الكتابة لكنت متّ سيدتي. فأنا أكتب ليس لأجل الشهرة والمجد، أكتب لأجل الحقيقة، وأيضاً أكتب لأعيش!
محبّات.
ـــ لطفية الدليمي
هذا ما افعله ولهذا اعتذر عن المؤتمرات والمهرجانات والطهور المتلفز وحفلات التوقيع ـ اعتذر عن كل مسببات الشهرة وفايروسات الظهور والاستعراض ـ متعتي تكمن في الكتابة ذاتها ونشوة الإنجاز .