8-04-2026

قال: "نعم، سأأتي"، بلكنة سويدية متعثرة، بينما كان داخله يضجّ بفرحٍ طفولي خفي. رأى في هذه الدعوة فرصةً مزدوجة؛ لقاء امرأة سويدية قد يجد عندها دفئًا افتقده طويلًا، وفي الوقت ذاته، فرصة لتحسين لغته التي لا تزال تتعثر على لسانه

عاد حسام إلى شقته مسرعًا، وراح يقلب صفحات كتاب اللغة بعجلة، يلتقط كلماتٍ قد تنقذه من صمتٍ محرج. لم يكن الوقت في صالحه. ارتدى أفضل ما لديه، وخرج قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة، رغم أن المسافة قصيرة. كان يتمنى لو أنها تلتقي به قبل باب المسرح، لعلّ ذلك يخفف من ارتباكه

وقف على مسافة من المدخل، يراقب الوجوه القادمة، يتفحصها بخجلٍ واضح، وكأنه يخشى أن يُضبط متلبسًا بانتظارها. قال في نفسه: لن أدخل دونها

وأخيرًا، ظهرت سارة

كانت ترتدي ملابس زاهية، تبث البهجة في المكان، وفي قلبه الذي بدأ يخفق على نحوٍ غير مألوف. تقدّم بضع خطوات، ثم تراجع قليلًا، مترددًا في الاقتراب كي لا يحرجها أمام الآخرين. لكنها بادرته بابتسامة قائلة
"هلو… هاي"

ردّ بخجل
"هلو… هاي"

سألته
هل كنت تنتظر طويلًا؟

لم يفهم السؤال تمامًا، لكنه أجاب
نعم

دخلا معًا إلى القاعة، حيث كانت الوجوه مشرقة والابتسامات تملأ المكان. امتزج الغناء بالموسيقى، وعمّت أجواء احتفالية دافئة، لكن حسام كان في عالمٍ آخر. أخذ يحسب الدقائق بصمت، ينتظر نهاية العرض، متمنيًا لحظة يكونان فيها وحدهما

رغم جمال الأجواء، لم يشعر بالانتماء. كان وجوده هناك يشبه "أطرش في زفة"، كما قال في نفسه

إلى جانبه جلست سارة، امرأة سويدية في السادسة والعشرين من عمرها، بعينين زرقاوين وشعرٍ أشقر تلفه إلى الخلف. وجهها بشوش، تبتسم بسهولة، وقد أنهت دراستها الثانوية وتبحث عن عمل

انتهى العرض أخيرًا، فتنفس حسام الصعداء، وكأن عبئًا ثقيلاً أُزيح عن صدره. خرجا مع بقية الحضور، وكان المساء في منتصف حزيران منعشًا ومليئًا بالحياة

اقترحت سارة أن يتمشيا قليلًا قبل العودة، ففرح بذلك في داخله، وكأنها قرأت ما كان يتمناه

بدأ الحديث بينهما بسيطًا، يدور حول الدراسة والسكن، وتجنب حسام الخوض في ماضيه. لم يكن مستعدًا لفتحه بعد. ومع اقترابهما من منزلها، بدأ يفكر بتردد في طلب لقاء آخر

لكن لحظة عابرة قلبت كل شيء

مرّ رجل بجانبهما وقال بسخرية
"الولد الأسود"

كانت كلمة تحمل إهانة واضحة. توقّف حسام داخليًا، منتظرًا رد فعل سارة… لكنه لم يكن كما توقع.

ضحكت

وضعت يدها على فمها، كأن الأمر مجرد مزحة

في تلك اللحظة، شعر بشيء ينكسر داخله. لم تكن الكلمة وحدها ما آلمه، بل خفة ردّها، وكأن ما حدث لا يستحق الوقوف عنده. صمت. لم يقل شيئًا حتى وصلت إلى باب منزلها

وعندها، اتخذ قراره بصمت
هذه المرأة لا تناسبه

استمر حسام في دراسته لتعلّم مهنة اللحام، لكنه ظل يبحث عن امرأة تملأ وحدته، وربما تمنحه عائلة. ومع تحسن وضعه الاقتصادي والنفسي، بدأ يفكر بالزواج بجدية، لكنه أدرك أن الأمر ليس سهلًا

كان يحمل داخله تناقضًا واضحًا؛ بين انفتاحٍ اكتسبه، وجذورٍ تقليدية لا تزال تسكنه خلال إقامته في أوميو، التقى بنساء من ثقافات مختلفة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وبلدان عربية لكن سفينته لم ترسُ في أي ميناء. بدأ يتساءل: ربما العيب فيه، لا فيهن

وفي النهاية، ترك الأمر للصدفة